الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٣ - أرجوزته المشهورة و قوة شعرها
رجل كوفيّ. فبلغ قوله منصورا فقال: أبو العتاهية زنديق، أ ما ترونه لا يذكر في شعره الجنة و لا النار، و إنما يذكر الموت فقط! فبلغ ذلك أبا العتاهية، فقال فيه:
يا واعظ الناس قد أصبحت متّهما
إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها
كالملبس الثوب من عري و عورته
للناس بادية ما إن يواريها
/ فأعظم الإثم بعد الشّرك نعلمه
في كلّ نفس عماها عن مساويها
عرفانها بعيوب الناس تبصرها
منهم و لا تبصر العيب الذي فيها
فلم تمض إلّا أيام يسيرة حتى مات منصور بن عمّار، فوقف أبو العتاهية على قبره و قال: يغفر اللّه لك أبا السّريّ ما كنت رميتني به.
وشى به إلى حمدويه صاحب الزنادقة فتحقق أمره و تركه:
أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن موسى قال أخبرني النّسائيّ عن محمد بن أبي العتاهية قال:
كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلّم القمر، و اتّصل الخبر بحمدويه صاحب الزنادقة،/ فصار إلى منزلها و بات و أشرف على أبي العتاهية و رآه يصلّي، و لم يزل يرقبه حتى قنت و انصرف إلى مضجعه، و انصرف حمدويه خاسئا.
قال شعرا يدل على توحيده ليتناقله الناس:
حدّثنا محمد بن يحيى قال حدّثنا محمد بن الرّياشيّ قال حدّثنا الخليل بن أسد النّوشجانيّ قال:
جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أنّي زنديق، و اللّه ما ديني إلى التّوحيد. فقلنا له: فقل شيئا نتحدّث به عنك؛ فقال:
ألا إنّنا كلّنا بائد
و أيّ بني آدم خالد
و بدؤهم كان من ربّهم
و كلّ إلى ربّه عائد
فيا عجبا كيف يعصى الإل
ه أم كيف يجحده الجاحد
و في كلّ شيء له آية
تدلّ على أنه واحد
أرجوزته المشهورة و قوّة شعرها:
أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعيّ قال:
تذاكروا يوما شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ؛ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سمّاها «ذات الأمثال»؛ فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله:
يا للشّباب المرح التّصابي
روائح الجنّة في الشّباب
() يقع فيه. و هذا المجاز كثير الاستعمال. و قد تكلم الإمام الغزالي في «الإحياء» في باب المحبة على البعوضة (راجع ج ٤ ص ٢٤٧ طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣٠٦ ه) و تكلم عليها الدميريّ أيضا في «حياة الحيوان» (راجع ج ١ ص ١٥٩- ١٦٦ طبع بولاق).