الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٥ - استجار الحارث بن عوف من شعره بالنبي
و مالك بن الربيع بن مالك حدّثاني جميعا عن الرّبيع بن مالك بن أبي عامر عن أبيه أنه قال:
بينا نحن جلوس عند حسّان بن ثابت، و حسّان مضطجع مسند رجليه إلى فارع [١] قد رفعهما عليه، إذ قال:
مه! أ ما رأيتم ما مرّ بكم الساعة؟ قال مالك: قلنا: لا و اللّه، و ما هو؟ فقال حسّان: فاختة [٢] مرّت الساعة بيني و بين فارع فصدمتني، أو قال: فزحمتني. قال: قلنا: و ما هي؟ قال:
/
ستأتيكم غدوا أحاديث جمّة
فأصغوا لها آذانكم و تسمّعوا
قال مالك بن أبي عامر: فصبحنا من الغد حديث صفّين.
سمعه المغيرة بن شعبة ينشد شعرا فبعث إليه بمال:
أخبرنا وكيع قال حدّثنا اللّيث بن محمد عن الحنظليّ عن أبي عبدة عن العلاء بن جزء العنبري قال:
بينا حسّان بن ثابت بالخيف و هو مكفوف، إذ زفر زفرة ثم قال:
و كأنّ حافرها بكلّ خميلة [٣]
صاع يكيل به شحيح معدم
عاري الأشاجع [٤] من ثقيف أصله
عبد و يزعم أنّه من يقدم [٥]
قال: و المغيرة بن شعبة جالس قريبا منه يسمع ما يقول، فبعث إليه بخمسة آلاف درهم. فقال: من بعث بهذا؟ قال [٦]: المغيرة بن شعبة سمع ما قلت. قال: وا سوأتاه! و قبلها.
استجار الحارث بن عوف من شعره بالنبي:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الأصمعيّ قال:
جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: أجرني من شعر حسّان، فلو مزج البحر بشعره لمزجه. قال: و كان السبب في ذلك- فيما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبّة عن الأصمعيّ، و أخبرني به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب- أنّ الحارث بن عوف أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: ابعث معي/ من يدعو إلى دينك و أنا له جار. فأرسل معه رجلا من الأنصار. فغدرت بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاريّ، فقدم الحارث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و كان عليه الصلاة و السلام لا يؤنّب أحدا في وجهه، فقال: «ادعوا لي حسّان»؛ فدعي له. فلمّا رأى الحارث أنشده:
يا حار من يغدر بذمّة جاره
منكم فإنّ محمدا لم يغدر
[١] فارع: اسم أطم، و هو حصن بالمدينة كان لحسان بن ثابت.
[٢] الفاختة: واحدة الفواخت، و هي ذوات الأطواق من الحمام؛ قيل لها ذلك للونها لأنه يشبه الفخت الذي هو ضوء القمر.
[٣] الخميلة: الأرض السهلة التي تنبت، شبه نبتها بخمل القطيفة.
[٤] الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف، و قيل: هي عروق ظاهر الكف، واحدها: أشجع.
[٥] يقدم: أبو قبيلة، و هو يقدم بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. و هو يحتمل أن يكون بضم الميم، فيكون علما منقولا عن جملة، نحو:
نبئت أخوالي بني يزيد
و أن يكون بكسرها، و بفتحها على أنه ممنوع من الصرف، فيكون فيه إقواء.
[٦] كذا في جميع الأصول. و كان الأولى أن يكون «قيل» أو «قالوا».