الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٩ - أمره الرشيد أن يقول شعرا يغني فيه الملاحون فلما سمعه بكى
/ فاختر [١]
لنفسك دونها سبلا و لا
تتحامقنّ لها فإنّك لاهي
لا يعجبنّك أن يقال مفوّه
حسن البلاغة أو عريض الجاه
أصلح جهولا من سريرتك الّتي
تخلو بها و ارهب مقام اللّه
إنّي رأيتك مظهرا لزهادة
تحتاج منك لها إلى أشباه
كان عبد اللّه بن العباس بن الفضل مشغوفا بالغنا في شعره:
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني الحسين بن يحيى الصوليّ قال حدّثني عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قال:
رآني الرشيد مشغوفا بالغناء في شعر أبي العتاهية:
صوت
أحمد قال لي و لم يدر ما بي
أ تحبّ الغداة عتبة حقّا
فتنفّست ثم قلت نعم حب
بّا جرى في العروق عرقا فعرقا
لو تجسّين يا عتيبة قلبي
لوجدت الفؤاد قرحا تفقّا
قد لعمري ملّ الطبيب و ملّ
الأهل منّي مما أقاسي و ألقى
ليتني متّ فاسترحت فإنّي
أبدا ما حييت منها ملقّى [٢]
و لا سيما من مخارق، و كان يغنّي فيه رملا لإبراهيم أخذه عنه. و فيه لحن لفريدة رمل. هكذا قال الصّولي:
«فريدة» بالياء، و غيره يقول: «فرندة» بالنون.
أمره الرشيد أن يقول شعرا يغني فيه الملاحون فلما سمعه بكى:
حدّثني الصّولي قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا محمد بن صالح العدويّ قال أخبرني أبو العتاهية قال:
كان الرشيد مما يعجبه غناء الملّاحين في الزّلالات [٣] إذا ركبها، و كان يتأذّى بفساد كلامهم و لحنهم، فقال:
قولوا لمن معنا من الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنّون فيه./ فقيل له: ليس أحد أقدر على/ هذا من أبي العتاهية، و هو في الحبس. قال: فوجّه إليّ الرشيد: قل شعرا حتّى أسمعه منهم، و لم يأمر بإطلاقي؛ فغاظني ذلك فقلت:
و اللّه لأقولنّ شعرا يحزنه و لا يسرّ به، فعملت شعرا و دفعته إلى من حفّظه الملّاحين. فلمّا ركب الحرّاقة [٤] سمعه، و هو:
خانك الطّرف الطّموح
أيّها القلب الجموح
[١] في ح: «فاحتل».
[٢] الملقى: الممتحن الذي لا يزال يلقاه مكروه.
[٣] لم نجد هذا الاسم في «كتب اللغة» التي بين أيدينا بالمعنى المراد منه هنا. و ظاهر أن المراد به نوع من السفن.
[٤] الحرّاقة: ضرب من السفن الحربية الكبيرة فيها مرامي نيران يرمى بها العدوّ في البحر. و كان منها أنواع تستعمل للنزهة و الرياضة و التنقل عند الخلفاء و الملوك و الأمراء في أوّل العصر العباسي (مثل الذهبية عندنا) و هي المرادة هنا.