الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٥ - شكاه أهل المدينة فنفى إلى دهلك ثم استعطف عمر بن عبد العزيز فلم يعطف عليه
و جمّعت من أشياء شتّى خبيثة
فسمّيت لمّا جئت منها مجمّعا
فقال له مجمّع: إنّي لا أحسن الشعر، ثم أخذ كرنافة [١] فغمسها في ماء فغاصت، ثم رفع يده عنها فطفت، فقال: هكذا و اللّه كانت تصنع خالاتك السّواحر.
طلب من أمّ ليث أن تدخله إلى جارة لها فأبت فعرّضا بها في شعره:
أخبرني الحرميّ قال و حدّثنا الزّبير قال:
كانت امرأة يقال لها أمّ ليث امرأة صدق [٢]، فكانت قد فتحت بينها و بين جارة لها من الأنصار خوخة، و كانت الأنصاريّة من أجمل أنصاريّة خلقت. فكلّم الأحوص أمّ ليث أن تدخله في بيتها يكلّم الأنصاريّة من الخوخة التي فتحت بينها و بينها، فأبت؛ فقال: أما لأكافئنّك، ثم قال:
هيهات منك بنو عمر و مسكنهم
إذا تشتّيت قنّسرين [٣] أو حلبا
قامت تراءى و قد جدّ الرحيل بنا
بين السّقيفة و الباب الذي نقبا
إني لمانحها ودّي و متّخذ
بأمّ ليث إلى معروفها سببا
فلمّا بلغت الأبيات زوج المرأة، سدّ الخوخة؛ فاعتذرت إليه أمّ ليث، فأبى أن يقبل و يصدّقها. فكانت أمّ ليث تدعو على الأحوص.
وعده مخزوميّ أن يعينه عند الوليد ثم أحلف:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني أبي قال:
ركب الأحوص إلى الوليد بن عبد الملك قبل ضرب ابن حزم إيّاه، فلقيه رجل من بني مخزوم يقال له محمد بن عتبة، فوعده أن يعينه. فلمّا دخل على الوليد قال: ويحك! ما هذا الذي رميت به يا أحوص؟ قال: و اللّه يا أمير المؤمنين، لو كان الذي رماني به ابن حزم من أمر الدّين لاجتنبته، فكيف و هو من أكبر معاصي اللّه! فقال ابن عتبة: يا أمير المؤمنين، إنّ من فضل ابن حزم و عذله كذا و كذا، و أثنى عليه. فقال الأحوص: هذا و اللّه كما قال الشاعر [٤]:
و كنت كذئب السّوء لمّا رأى دما
بصاحبه يوما [٥] أحال على الدّم
شكاه أهل المدينة فنفى إلى دهلك ثم استعطف عمر بن عبد العزيز فلم يعطف عليه:
فأمّا خبره في بقيّة أيّام سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز، فأخبرني به أبو خليفة الفضل بن الحباب
[١] الكرنافة: واحدة الكرناف (بكسر الكاف و ضمها)، و هو أصول الكرب التي تبقى في جذع النخلة بعد قطع السعف.
[٢] إذا قلت: رجل صدق أو امرأة صدق بالإضافة كسرت الصاد، و إن نعتّ به فتحتها.
[٣] قنسرين (بكسر القاف و فتح النون مشدّدة): كورة بالشام بالقرب من حلب، و هي أحد أجناد الشام. فتحها أبو عبيدة بن الجرّاح رضي اللّه عنه في سنة سبع عشرة.
[٤] هو الفرزدق.
[٥] أحال على الدم: أقبل عليه. و مثله قول الشاعر:
فتى ليس لابن العمّ كالذئب إن رأى
بصاحبه يوما دما فهو آكله