الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٦ - خرج مع ركب إلى الشام فعرضت لهم جنية فاسترشد راهبا للوقاية منها
قال الأصمعي: كل شعره في بحث الآخرة:
قال الزّبير و حدّثني يحيى بن محمد عن الأصمعيّ قال: ذهب أميّة في شعره بعامّة ذكر الآخرة، و ذهب عنترة بعامّة ذكر الحرب، و ذهب عمر بن أبي ربيعة بعامّة ذكر الشباب.
جاءه طائران و هو نائم فشق احدهما عن قلبه:
قال الزبير حدّثني عمر [١] بن أبي بكر المؤمّلي قال حدّثني رجل من أهل الكوفة قال:
كان أميّة نائما فجاء طائران/ فوقع أحدهما على باب البيت، و دخل الآخر فشقّ عن قلبه ثم ردّه الطائر؛ فقال له الطائر الآخر: أوعى؟ قال نعم. قال: زكا؟ قال: أبى [٢].
خرج مع ركب إلى الشام فعرضت لهم جنية فاسترشد راهبا للوقاية منها:
أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابيّ عن ابن دأب قال:
خرج ركب من ثقيف إلى الشأم، و فيهم أميّة بن أبي الصّلت، فلمّا قفلوا راجعين نزلوا منزلا ليتعشّوا بعشاء، إذ أقبلت عظاية [٣] حتّى دنت منهم، فحصبها بعضهم بشيء في وجهها فرجعت؛ و كفتوا [٤] سفرتهم ثم قاموا يرحلون ممسين؛ فطلعت عليهم/ عجوز من وراء كثيب مقابل لهم تتوكّأ على عصا، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رجيمة [٥] الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشيّة؟ قالوا: و من أنت؟ قالت: أنا أمّ العوّام، إمت [٦] منذ أعوام؛ أمّا و ربّ العباد، لتفترقنّ في البلاد؛ و ضربت بعصاها الأرض ثم قالت: بطّئي إيابهم، و نفّري ركابهم؛ فوثبت الإبل كأنّ على ذروة كل بعير منها شيطانا ما يملك منها شيء، حتى افترقت في الوادي. فجمعناها في آخر النهار من الغد و لم نكد [٧]. فلمّا أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فضربت الأرض بعصاها ثم قالت كقولها الأوّل؛ ففعلت الإبل كفعلها بالأمس، فلم نجمعها إلا الغد [٨] عشيّة. فلمّا أنخناها لنرحلها أقبلت العجوز ففعلت كفعلها في اليومين و نفرت الإبل. فقلنا لأميّة: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟ فقالت: اذهبوا أنتم في طلب الإبل و دعوني. فتوجّه إلى ذلك الكثيب الذي كانت العجوز تأتي منه حتى علاه و هبط منه إلى واد، فإذا فيه كنيسة و قناديل، و إذا رجل مضطجع معترض على بابها، و إذا رجل أبيض الرأس و اللّحية؛ فلمّا رأى أميّة قال: إنّك لمتبوع، فمن أين يأتيك صاحبك؟ قال: من أذني اليسرى. قال فبأيّ الثياب يأمرك؟ قال: بالسواد. قال: هذا خطيب الجنّ؛ كدت و اللّه أن تكونه و لم تفعل؛ إنّ
[١] في الأصول: «عمرو بن أبي بكر الموصلي». و انظر الحاشية رقم ١ في الصفحة ١٢٣.
[٢] ورد هذا الخبر في «طبقات الشعراء» لمحمد بن سلام الجمحي (ص ٦٧ طبع أوروبا) مع زيادة في العبارة و اختلاف في بعض الكلمات. و سيعيده المؤلف بتفصيل أوفى في ص ١٢٧.
[٣] العظاية: دويبة ملساء تشبه سام أبرص و تسمى شحمة الأرض و شحمة الرمل، و هي أنواع كثيرة و كلها منقطة بالسواد، و من طبعها أنها تمشي مشيا سريعا ثم تقف.
[٤] كذا في أ، ء، م. و كفت الشيء: ضم بعضه إلى بعض. و في سائر الأصول: «و كفوا». و السفرة: ما يبسط تحت الخوان من جلد أو غيره.
[٥] في ح: «رحيمة» بالحاء المهملة.
[٦] آمت المرأة (من باب ضرب): فقدت زوجها.
[٧] في الأصول: «تكد» بالتاء المثناة من فوق.
[٨] في الأصول: «إلى الغد».