الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٠ - قصتها مع المتوكل بعد الواثق
وقعت عليّ [١] و قد نظرت إليها و نظرت إليّ؛ فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّرا و أطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإنّي لكذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت. فقال: ويحك! أ رأيت أغرب مما تهيّأ علينا! فقلت: يا سيّدي، الساعة و اللّه تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنة اللّه! فما كان السبب؟ أ لذنب؟ قال: لا و اللّه! و لكن فكرت أنّ جعفرا يقعد هذا المقعد و يقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر و خامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسري عنّي و قلت:
بل يقتل اللّه جعفرا، و يحيا أمير المؤمنين أبدا، و قبّلت الأرض و قلت: يا سيّدي اللّه اللّه! ارحمها و مر بردّها. فقال لبعض الخدم الوقوف: من يجيء بها؟ فلم يكن بأسرع من أن خرجت و في يدها عودها و عليها غير الثياب التي كانت عليها. فلما رآها جذبها و عانقها، فبكت و جعل هو يبكي، و اندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي و يا سيّدي؟ و بأيّ شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي و هو يبكي و هي تبكي. فقالت: سألتك باللّه يا أمير المؤمنين إلّا ضربت عنقي الساعة و أرحتني من الفكر في هذا، و أرحت قلبك من الهمّ بي، و جعلت تبكي و يبكي، ثم مسحا أعينهما و رجعت إلى مكانها؛ و أومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا و أحضروا أكياسا فيها عين [٢] و ورق، و رزما فيها ثياب كثيرة، و جاء خادم بدرج ففتحه و أخرج منه عقدا ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، فألبسها إيّاه، و أحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي و خمسة تخوت فيها ثياب، و عدنا إلى أمرنا و إلى أحسن مما كنا؛ فلم نزل كذلك/ إلى الليل، ثم تفرّقنا.
قصتها مع المتوكّل بعد الواثق:
و ضرب الدهر ضربه [٣] و تقلّد المتوكل. فو اللّه إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت و صرت إلى الدّار، فأدخلت و اللّه الحجرة بعينها، و إذا المتوكّل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه و إلى جانبه فريدة. فلمّا رآني قال: ويحك! أما ترى ما أنا فيه من هذه! أنا منذ غدوة أطالبها بأن تغنّيني فتأبى ذلك! فقلت لها: يا سبحان اللّه! أ تخالفين سيّدك و سيّدنا و سيد البشر! بحياته غنّي! فعرفت و اللّه ثم اندفعت تغنّي:
مقيم بالمجازة [٤] من قنوني [٥]
و أهلك بالأجيفر [٦] فالثّماد [٧]
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي
عليه الموت يطرق أو يغادي
ثم ضربت بالعود الأرض، ثم رمت بنفسها عن السرير و مرّت تعدو و هي تصيح وا سيّداه! فقال لي: ويحك! ما هذا؟ فقلت: لا أدري و اللّه يا سيّدي. فقال: فما ترى؟ فقلت: أرى/ أن أنصرف أنا و تحضر هذه و معها غيرها؛ فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ اللّه! فانصرفت و لم أدر ما كانت القصة.
[١] في الأصول: «وقعت إليّ»، على أنه يجوز أن يكون التحريف في الفعل و أن أصله: «وقعت إليّ».
[٢] العين: الذهب المضروب و هو الدنانير. و الورق: الدراهم المضروبة من الفضة.
[٣] يقال: ضرب الدهر ضربانه و من ضربانه، و ضرب الدهر ضربه و من ضربه أي مرّ من مروره و ذهب بعضه.
[٤] المجازة: منزل من منازل طريق مكة بين ماوية و ينسوعة.
[٥] قنوني: واد من أودية السراة يصب إلى البحر في أوائل أرض اليمن من جهة مكة.
[٦] الأجيفر: موضع في أسفل السبعان من بلاد قيس. و قال الأصمعيّ: هو لبني أسد.
[٧] الثماد: موضع في ديار بني تميم قرب المرّوت.