الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٧ - حديثه عن شعره و رأى أبي نواس فيه
لأمر ما تصرّفت الليالي
و أمر ما تولّيت [١] النّجوم
تموت غدا و أنت قرير عين
من الغفلات في لجج تعوم
تنام و لم تنم عنك المنايا
تنبّه للمنيّة يا نؤوم
سل الأيّام عن أمم تقضّت
ستخبرك المعالم و الرّسوم
تروم الخلد في دار المنايا
و كم قد رام غيرك ما تروم
/ ألا يا أيّها الملك المرجّى
عليه نواهض الدنيا تحوم
أقلني زلّة لم أجر منها
إلى لوم و ما مثلي ملوم
و خلّصني تخلّص يوم بعث
إذا للناس برّزت [٢] الجحيم
فرقّ له و أمر بإطلاقه.
حديثه عن شعره و رأى أبي نواس فيه:
نسخت من كتاب هارون بن عليّ: قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني ابن أبي الأبيض قال:
أتيت أبا العتاهية فقلت له: إنّي رجل أقول الشعر في الزّهد، و لي فيه أشعار كثيرة، و هو مذهب أستحسنه؛ لأني أرجو ألّا آثم فيه، و سمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحبّ أن تنشدني من جيّد ما قلت؛ فقال: اعلم أنّ ما قلته رديء. قلت: و كيف؟ قال: لأنّ الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدّمين أو مثل شعر بشّار و ابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، و لا سيما الأشعار التي في الزّهد؛ فإن الزّهد ليس من مذاهب الملوك و لا من مذاهب رواة الشعر و لا طلّاب الغريب، و هو مذهب أشغف الناس به الزّهاد و أصحاب الحديث و الفقهاء و أصحاب الرّياء و العامّة، و أعجب الأشياء إليهم ما فهموه. فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:
لدوا للموت و ابنوا للخراب
فكلّكم يصير إلى تباب [٣]
ألا يا موت لم أر منك بدّا
أتيت و ما تحيف و ما تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبي
كما هجم المشيب على شبابي
قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا؛ فقال: و اللّه ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا آخر.
فصرت إليه فأخبرته بقول أبي نواس؛ فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:
/
طول التّعاشر بين النّاس مملول
ما لابن آدم إن فتّشت معقول
يا راعي الشّاء [٤] لا تغفل رعايتها
فأنت عن كلّ ما استرعيت مسئول
[١] توليت النجوم (بالبناء للمفعول): أي تولاها اللّه، فتطلع ثم تغيب بتأثير قدرته. و لا يصح بناء الفعل للفاعل إلا مع ضرورة قبيحة و هي عدم حذف لام الفعل مع تاء التأنيث و قلبها ياء.
[٢] في أ: «سعرت»، و في هامشها كما في الأصل.
[٣] التباب: الهلاك.
[٤] في أ، ء، م: «يا راعي الناس». و في «الديوان»: «يا راعي النفس».