الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠٩ - حبسه الرشيد مع إبراهيم الموصلي ثم أطلقهما
يا من سلا عن حبيب بعد ميتته
كم بعد موتك أيضا عنك من سالي
كأنّ كلّ نعيم أنت ذائقه
من لذّة العيش يحكي لمعة الآل
لا تلعبنّ بك الدنيا و أنت ترى
ما شئت من عبر فيها و أمثال
ما حيلة الموت إلّا كلّ صالحة
أولا فما حيلة فيه لمحتال
فقال لي: أحسنت ويحك! و أصبت ما في نفسي و وعظت و أوجزت! ثم أمر لي لكلّ بيت بألف درهم.
حبسه الرشيد مع إبراهيم الموصليّ ثم أطلقهما:
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثني أحمد بن خلّاد قال حدّثني أبي قال:
لمّا مات موسى الهادي قال الرشيد لأبي العتاهية: قل شعرا في الغزل؛ فقال: لا أقول شعرا بعد موسى أبدا، فحبسه. و أمر إبراهيم الموصليّ أن يغنّي؛ فقال: لا أغنّي بعد موسى أبدا، و كان محسنا إليهما، فحبسه. فلمّا شخص إلى الرّقّة حفر لهما حفيرة واسعة و قطع بينهما بحائط، و قال: كونا بهذا المكان لا تخرجا منه حتى تشعر أنت و يغنّي هذا. فصبرا على ذلك برهة. و كان الرشيد يشرب ذات يوم و جعفر بن يحيى معه، فغنّت جارية صوتا فاستحسناه و طربا عليه طربا شديدا، و كان بيتا واحدا. فقال الرشيد: ما كان أحوجه إلى بيت ثان ليطول الغناء فيه فنستمتع مدّة طويلة به! فقال له جعفر: قد أصبته. قال: من أين؟ قال: تبعث إلى أبي العتاهية فيلحقه به لقدرته على الشعر و سرعته. قال: هو أنكد من ذلك، لا يجيبنا و هو محبوس و نحن في نعيم و طرب. قال: بلى! فاكتب إليه حتى تعلم صحّة ما قلت لك. فكتب إليه بالقصّة و قال: ألحق لنا بالبيت بيتا ثانيا [١]. فكتب إليه أبو العتاهية:
شغل المسكين عن تلك المحن
فارق الرّوح و أخلى من بدن/
و لقد كلّفت أمرا عجبا
أسأل التّفريح [٢] من بيت الحزن
فلمّا وصلت قال الرشيد: قد عرّفتك أنه لا يفعل. قال: فتخرجه حتى يفعل. قال: لا! حتى يشعر؛ فقد حلفت. فأقام أياما لا يفعل. قال: ثم قال أبو العتاهية لإبراهيم: إلى كم هذا نلاجّ الخلفاء! هلمّ أقل شعرا و تغنّ فيه. فقال أبو العتاهية:
/
بأبي من كان في قلبي له
مرّة حبّ قليل فسرق [٣]
يا بني العبّاس فيكم ملك
شعب الإحسان منه تفترق
إنّما هارون خير كلّه
مات كلّ الشّر مذ يوم خلق
و غنّى فيه إبراهيم. فدعا بهما الرشيد؛ فأنشده أبو العتاهية و غناه إبراهيم، فأعطى كلّ واحد منهما مائة ألف درهم و مائة ثوب.
حدّثني الصّوليّ بهذا الحديث عن الحسين بن يحيى عن عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع، فقال فيه:
[١] في ح: «آخر».
[٢] كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «التفريج» بالجيم.
[٣] تقدّم هذا الشعر في ص ٦٨ من هذا الجزء مع اختلاف في الرواية.