الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦٠ - قدم وفد تميم على النبي مفتخرين فأمره النبي أن يجيب شاعرهم
قدم وفد تميم على النبيّ مفتخرين فأمره النبيّ أن يجيب شاعرهم:
أخبرنا أحمد قال حدّثنا/ عمر قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو و شريح بن النّعمان قالا حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:
لمّا قدم وفد بني تميم وضع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم لحسّان منبرا و أجلسه عليه، و قال: «إنّ اللّه ليؤيّد حسّان بروح القدس ما كافح [١] عن نبيّه» صلى اللّه عليه و سلّم. هكذا روى أبو زيد هذا الخبر مختصرا. و أتينا به على تمامه هاهنا؛ لأنّ ذلك حسن فيه:
أخبرنا به الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن الضحّاك عن أبيه قال:
قدم على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم وفد بني تميم و هم سبعون أو ثمانون رجلا، فيهم الأقرع بن حابس، و الزّبرقان بن بدر، و عطارد بن حاجب، و قيس بن عاصم، و عمرو بن الأهتم، و انطلق معهم عيينة بن حصن، فقدموا المدينة، فدخلوا المسجد، فوقفوا عند الحجرات، فنادوا بصوت عال جاف: اخرج إلينا يا محمد؛ فقد جئنا لنفاخرك، و قد جئنا بشاعرنا و خطيبنا. فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم/ فجلس. فقام الأقرع بن حابس فقال: و اللّه إنّ مدحي لزين، و إن ذمّي لشين. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «ذلك اللّه». فقالوا: إنّا أكرم العرب. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «أكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السّلام». فقالوا: ائذن لشاعرنا و خطيبنا. فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فجلس و جلس معه الناس، فقام عطارد بن حاجب فقال:
الحمد للّه الذي له الفضل علينا و هو أهله، الذي جعلنا ملوكا و جعلنا أعزّ أهل المشرق [٢]، و آتانا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، ليس في الناس مثلنا؛ ألسنا برءوس النّاس و ذوي فضلهم! فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، و لو نشاء لأكثرنا، و لكنّا نستحي من الإكثار فيما خوّلنا اللّه و أعطانا. أقول هذا، فأتوا بقول أفضل من قولنا، أو أمر أبين من أمرنا. ثم جلس.
فقام ثابت بن قيس بن شمّاس فقال: الحمد للّه الذي السموات و الأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره و وسع كرسيّه علمه [٣]، و لم يقض شيئا إلّا من فضله و قدرته؛ فكان من قدرته أن اصطفى من خلقه لنا رسولا أكرمهم حسبا و أصدقهم حديثا و أحسنهم رأيا، فأنزل عليه كتابا، و ائتمنه على خلقه، و كان خيرة اللّه من العالمين. ثم دعا [٤] رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى الإيمان، فأجابه من قومه و ذوي رحمه المهاجرون أكرم الناس أنسابا، و أصبح الناس وجوها، و أفضل الناس فعالا. ثم كان أوّل من اتّبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم من العرب و استجاب له نحن معشر الأنصار؛/ فنحن أنصار اللّه و وزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا و يقولوا: لا إله إلّا اللّه. فمن آمن باللّه و رسوله منع منّا ماله و دمه، و من كفر باللّه و رسوله جاهدناه في اللّه، و كان جهاده يسيرا. أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه للمؤمنين و المؤمنات.
فقام الزّبرقان فقال:
[١] في ح: «ما نافح» بالحاء المهملة، و هما بمعنى واحد.
[٢] في الطبري (ص ١٧١١ من القسم الأوّل طبع أوروبا): «و جعلنا أعز أهل المشرق و أكثره عددا و أيسره عدة ... إلخ».
[٣] كذا في «سيرة ابن هشام» (ص ٩٣٥ طبع أوروبا) و الطبري. و في الأصول: «و وسع كرسيه و علمه» بواو العطف. و قد وردت هاتان الخطبتان في «السيرة» و الطبري باختلاف يسير عما هنا.
[٤] في «سيرة ابن هشام» و الطبري: «ثم دعا الناس إلى ... إلخ».