الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٢٥ - أمر الرشيد مؤدب ولده أن يرويهم شعره
إنّ الصديق يلجّ في غشيانه
لصديقه فيملّ من غشيانه
حتّى تراه بعد طول مسرّة
بمكانه متبرّما بمكانه
و أقلّ ما يلفى الفتى ثقلا على
إخوانه ما كفّ عن إخوانه
و إذا توانى عن صيانة نفسه
رجل تنقص و استخفّ بشانه
فلمّا قرأ الأبيات قال: سبحان اللّه! أ تهجرني لمنعي إيّاك شيئا تعلم أنّي ما ابتذلت نفسي له قطّ، و تنسى مودّتي و أخوّتي، و من دون ما بيني و بينك ما أوجب عليك أن تعذرني! فكتب إليه:
أهل التّخلّق لو يدوم تخلّق
لسكنت ظلّ جناح من يتخلّق
ما الناس في الإمساك إلا واحد
فبأيّهم إن حصّلوا [١] أتعلّق
هذا زمان قد تعوّد أهله
تيه الملوك و فعل من يتصدّق [٢]
فلمّا أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى و حدّثه بالحديث؛ فقال له: لا و اللّه ما على الأرض أبغض إليّ من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية؛ لأنه ممن ليس/ يظهر عليه أثر صنيعة، و قد قضيت حاجته لك؛ فرجع و أرسلني إليه بقضاء حاجته [٣]. فقال أبو العتاهية:
جزى اللّه عنّي صالحا بوفائه
و أضعف أضعافا له في جزائه
بلوت رجالا بعده في إخائهم
فما ازددت إلّا رغبة في إخائه
صديق إذا ما جئت أبغيه حاجة
رجعت بما أبغي و وجهي بمائه
أخبرني الصّوليّ قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني أحمد بن حرب قال:
أنشدني محمد بن أبي العتاهية لأبيه يعاتب صالحا هذا في تأخيره قضاء حاجته:
صوت
أ عينيّ جودا و ابكيا ودّ صالح
و هيجا عليه معولات النّوائح
فما زال سلطانا أخ لي أودّه
فيقطعني جرما [٤] قطيعة صالح
/ الغناء في هذين البيتين لإبراهيم ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.
أمر الرشيد مؤدّب ولده أن يرويهم شعره:
أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه قال:
كان الرشيد معجبا بشعر أبي العتاهية، فخرج إلينا يوما و في يده رقعتان على نسخة واحدة، فبعث بإحداهما
[١] حضلوا: خبروا و ميزوا.
[٢] يتصدّق هنا: يسأل.
[٣] أي رجع الفضل و أرسلني إلى أبي العتاهية بقضاء حاجته.
[٤] في ء: «جزما». و في سائر النسخ: «حزما» بالحاء المهملة. و يظهر أن كليهما مصحف عما أثبتناه.