الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٠ - أنشد لثمامة شعره في ذم البخاري فاعترض على بخاري فأجابه
و هارون ماء المزن يشفى به الصّدى [١]
إذا ما الصّدي بالرّيق غصّت حناجره
و أوسط بيت في قريش لبيته
و أوّل عزّ في قريش و آخره
و زحف له تحكي البروق سيوفه
و تحكي الرعود القاصفات حوافره
إذا حميت شمس النّهار تضاحكت
إلى الشّمس فيه بيضه [٢] و مغافره
إذا نكب الإسلام يوما بنكبة
فهارون من بين البريّة ثائره
و من ذا يفوت الموت و الموت مدرك
كذا لم يفت هارون ضدّ ينافره
قال: فتخلّص الرجل من شرّ ابن الأعرابيّ بأن قال له: القول كما قلت، و ما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، و كتبهما عنه.
قال أبو نواس لست أشعر الناس و هو حي:
حدّثني محمد قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني ابن الأعرابيّ المنجّم قال حدّثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عبّاد قال:
حضرت أبا نواس في مجلس و أنشد شعرا. فقال له من حضر في المجلس: أنت أشعر الناس. قال: أمّا و الشيخ حيّ فلا. (يعني أبا العتاهية).
أنشد لثمامة شعره في ذم البخاري فاعترض على بخاري فأجابه:
أخبرني يحيى بن عليّ إجازة قال حدّثني عليّ بن مهديّ قال حدّثني الحسين بن أبي السّريّ قال:
/ قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه
تملّكه المال الذي هو مالكه
ألا إنّما مالي الذي أنا منفق
و ليس لي المال الذي أنا تاركه
إذا كنت ذا مال فبادر به الذي
يحقّ و إلّا استهلكته مهالكه
فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت». فقلت له: أ تؤمن بأنّ هذا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم و أنه الحقّ؟ قال نعم. قلت:
فلم تحبس عندك سبعا/ و عشرين بدرة [٣] في دارك، و لا تأكل منها و لا تشرب و لا تزكّي و لا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك و فاقتك؟ فقال: يا أبا معن، و اللّه إنّ ما قلت لهو الحقّ، و لكنّي أخاف الفقر و الحاجة إلى الناس. فقلت: و بم تزيد حال من افتقر على حالك و أنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟! فترك جواب كلامي كلّه، ثم قال لي: و اللّه لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما و توابله و ما يتبعه بخمسة دراهم. فلما
[١] الصدى: العطش.
[٢] البيض (بفتح الباء): جمع بيضة و هي الخوذة تصنع من الحديد ليتقي بها في الحرب. و المغافر: جمع مغفر، و هو زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة، و قيل فيه غير ذلك.
[٣] البدرة: عشرة آلاف درهم.