الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٣ - رأي الفرزدق و جرير في نسيبه
هذا ابن يوسف فاعلموا و تفهّموا
برح الخفاء فليس حين تناجي/
من سدّ مطّلع [١] النّفاق عليكم
أم من يصول كصولة الحجّاج
أم من يغار على النّساء حفيظة
إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
قل للجبان إذا تأخّر سرجه
هل أنت من شرك المنيّة ناجي
قال: و ما تشبيبها؟ و طرب: فقال جرير:
/
لجّ الهوى بفؤادك الملجاج [٢]
فاحبس بتوضح باكر الأحداج
و أمرّها، أو قال: أمضاها. فقال: أعطوه كذا و كذا؛ فاستقللت ذلك. فقال الهذليّ: و كان جرير عربيّا قرويّا، فقال للحجّاج: قد أمر لي الأمير بما لم يفهم عنه، فلو دعا كاتبا و كتب بما أمر به الأمير! فدعا كاتبا و احتاط فيه بأكثر من ضعفه، و أعطى الفرزدق أيضا. قال الهذليّ: فجئت الفرزدق فأمر لي بستّين دينارا و عبد، و دخلت على رواته فوجدتهم يعدّلون ما انحرف من شعره، فأخذت من شعره ما أردت. ثم قلت له: يا أبا فراس، من أشعر الناس؟ قال: أشعر الناس بعدي ابن المراغة. قلت: فمن أنسب الناس؟ قال الذي يقول:
لي ليلتان فليلة معسولة
ألقى الحبيب بها بنجم الأسعد
و مريحة [٣] همّي عليّ كأنّني
حتّى الصّباح معلّق بالفرقد
قلت: ذاك الأحوص. قال: ذاك هو. قال الهذليّ: ثم أتيت جريرا فجعلت أستقلّ عنده ما أعطاني صاحبي أستخرج به منه؛ فقال: كم أعطاك ابن أختك؟ فأخبرته. فقال: و لك مثله؛ فأعطاني ستين دينارا و عبدا. قال:
و جئت رواته و هم يقوّمون ما انحرف من شعره و ما فيه من السّناد [٤]، فأخذت منه ما أردت، ثم قلت: يا أبا حزرة، من أنسب الناس؟ قال الذي يقول:
/
يا ليت شعري عمّن كلفت به
من خثعم إذ نأيت ما صنعوا
قوم يحلّون بالسّدير [٥] و بال
حيرة منهم مرأى و مستمع
أن شطّت الدار عن ديارهم
أ أمسكوا بالوصال أم قطعوا
بل هم على خير ما عهدت و ما
ذلك إلّا التأميل و الطّمع
قلت: و من هو؟ قال: الأحوص. فاجتمعا على أن الأحوص أنسب الناس.
[١] المطلع: المأتي؛ تقول: من أين مطّلع هذا الأمر، أي من أين مأتاه.
[٢] الملجاج: اللجوج. و قد ورد هذا البيت في «الأمالي» (ج ٣ ص ٤٣ طبع دار الكتب المصرية) و «ديوانه» المطبوع و المخطوط هكذا:
هاج الهوى لفؤادك المهتاج
فانظر بتوضح باكر الأحداج
و توصح: موضع معروف في بلاد بني يربوع. و الأحداج: جمع حدج و هو مركب من مراكب النساء نحو الهودج و المحفة. يريد، على هذه الرواية، هاج باكر الأحداج الهوى لفؤادك، فارم بطرفك نحو توضح.
[٣] مريحة: من أراح الإبل إذا ردّها إلى المراح من العشيّ، و المراد أنها تسوق إليه همه.
[٤] السناد: كل عيب يوجد في القافية قبل الرويّ، و فسره ابن سيده بأنه المخالفة بين الحركات التي تلي الأرداف في الرويّ. (انظر الحاشية رقم ١ ص ١٤٣ من الجزء الأوّل و الحاشية رقم ١ ص ٣٤٨ من الجزء الثاني من هذه الطبعة).
[٥] السدير: نهر بالحيرة، و قيل: السدير: قصر في الحيرة من منازل آل المنذر. (انظر الحاشية رقم ٢ ص ١٣٧ ج ٢ من هذه الطبعة).