الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٣ - رواية أخرى في السبب الذي خصي من أجله الدلال و سائر المخنثين بالمدينة
رجل عزب [١]، و نساء المدينة خاصّة يردن المطاولة في الجماع، و كأنّي بك كما تدخله عليها تفرغ و تقوم، فتبغضك و تمقتك و لا تعاودك بعدها و لو أعطيتها الدنيا، و لا تنظر في وجهك بعدها. فلا يزال في مثل هذا القول حتّى يعلم أنّه قد هاجت شهوته؛ فيقول له: كيف أعمل؟ قال: تطلب زنجيّة فتنيكها مرّتين أو ثلاثا حتى تسكن غلمتك؛ فإذا دخلت الليلة إلى أهلك لم تجد أمرك إلّا جميلا. فيقول له ذاك: أعوذ باللّه من هذه الحال، أ زنا و زنجيّة! لا و اللّه لا أفعل! فإذا أكثر محاورته قال له: فكما جاء عليّ قم فنكني أنا حتّى تسكن غلمتك و شبقك؛ فيفرح فينيكه مرّة أو مرّتين. فيقول له: قد استوى أمرك الآن و طابت نفسك، و تدخل على زوجتك فتنيكها نيكا يملؤها سرورا و لذّة.
فينيك المرأة قبل زوجها، و ينيكه الرجل قبل امرأته. فكان ذلك دأبه، إلى أن بلغ خبره سليمان بن عبد الملك، و كان غيورا شديد الغيرة، فكتب بأن يحصى هو و سائر المخنّثين [بالمدينة و مكة] [٢]، و قال: إنّ هؤلاء يدخلون على نساء قريش و يفسدونهنّ. فورد الكتاب على ابن حزم فخصاهم. هذه رواية إسحاق عن الزّبيري. و السبب في هذا أيضا مختلف فيه، و ليس كلّ الرواة يروون ذلك كما رواه مصعب.
رواية أخرى في السبب الذي خصي من أجله الدلال و سائر المخنثين بالمدينة:
فممّا روي من أمرهم ما أخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ- و هذا الخبر أصحّ ما روي في ذلك إسنادا- قال أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة عن معن/ بن عيسى، هكذا رواه الجوهريّ، و أخبرنا به إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال: قال ابن جناح حدّثني معن بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه و عن [٣] محمد بن معن الغفاريّ قالا:
/ كان سبب ما خصي له المخنّثون بالمدينة أنّ سليمان بن عبد الملك كان في نادية [٤] له يسمر ليلة على ظهر سطح، فتفرّق عنه جلساؤه، فدعا بوضوء فجاءت به جارية له. فبينا هي تصبّ عليه إذ أومأ بيده و أشار بها مرّتين أو ثلاثا، فلم تصبّ عليه؛ فأنكر ذلك فرفع رأسه، فإذا هي مصغية بسمعها إلى ناحية العسكر، و إذا صوت رجل يغنّي، فأنصت له حتى سمع جميع ما تغنّى به. فلمّا أصبح أذن للناس، ثم أجرى ذكر الغناء فليّن فيه حتى ظنّ القوم أنه يشتهيه و يريده، فأفاضوا فيه بالتّسهيل و ذكر من كان يسمعه. فقال سليمان: فهل بقي أحد يسمع منه الغناء؟ فقال رجل من القوم: عندي يا أمير المؤمنين رجلان من أهل أيلة مجيدان محكمان. قال: و أين منزلك؟ فأومأ إلى الناحية التي كان الغناء منها. قال: فابعث إليهما، ففعل. فوجد الرسول أحدهما، فأدخله على سليمان؛ فقال: ما اسمك؟ قال: سمير، فسأله عن الغناء، فاعترف به. فقال: متى عهدك به؟ قال: الليلة الماضية. قال: و أين كنت؟
فأشار إلى الناحية التي سمع سليمان منها الغناء. قال: فما غنّيت به؟ فأخبره الشعر الذي سمعه سليمان. فأقبل على القوم فقال: هدر الجمل فضبعت [٥] الناقة، و نبّ التّيس فشكرت الشاة، و هدر [٦] الحمام فزافت [٧] الحمامة، و غنّى
[١] في م: «غريب عزب».
[٢] زيادة عن م.
[٣] في ء، ط: «عن أبيه محمد بن معن الغفاري» و هو تحريف؛ إذ أن أبا عبد الرحمن هذا هو عبد اللّه بن ذكوان المعروف بأبي الزناد.
[٤] كذا في م. و النادية: مؤنث النادي و هو مجلس القوم و متحدثهم. و في سائر النسخ: «بادية» بالباء الموحدة.
[٥] ضبعت الناقة: اشتهت الفحل. و نبّ التيس: صاح عند الهياج. و شكرت الشاة: امتلأ ضرعها، و يكنى بذلك عن حنينها.
[٦] في م: «هدل»، و الهديل: كالهدير، و قيل هو صوت الذكر خاصة.
[٧] زافت الحمامة: تبخترت في مشيتها بين يدي الذكر و أقبلت عليه ناشرة جناحيها و ذباباها.