الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - أراد أن يصحب محمد بن عباد في طريقه إلى مكة فأبى محمد
أنّ الأحوص مرّ بعبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير و محمد بن مصعب بن الزّبير بخيمتي [١] أمّ معبد، و هما يريدان الحجّ مرجعه من عند يزيد بن عبد الملك، و هو على نجيب له فاره و رحل فاخر و بزة مرتفعة، فحدّثهما أنّه قدم على يزيد بن عبد الملك، فأجازه و كساه و أخدمه [٢]؛ فلم يرهما يهشّان لذلك، فجعل يقول: خيمتي أمّ معبد، عبّاد و محمد، كأنه يروض القوافي للشعر يريد/ قوله. فقال له محمد بن مصعب: إنّ أراك في تهيئة شعر و قواف و أراك تريد أن تهجونا! و كلّ مملوك [٣] لي حرّ لئن هجوتنا بشيء إن لم أضربك بالسيف مجتهدا [٤] على نفسك.
فقال الأحوص: جعلني اللّه فداك! إنّي أخاف أن تسمع هذا فيّ عدوّا فيقول شعرا يهجو كما به فينحلنيه [٥]، و أنا أبرئكما الساعة، كلّ مملوك لي حرّ إن هجوتكما ببيت شعر أبدا.
أراد أن يصحب محمد بن عباد في طريقه إلى مكة فأبى محمد:
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثنا الزبير بن خبيب [٦] عن أبيه خبيب بن ثابت قال:
/ خرجنا مع محمد بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير إلى العمرة، فإنّا لبقرب قديد [٧] إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برحل؛ فقال: الحمد للّه الّذي وفّقكم لي [٨]، ما أحبّ أنّكم غيركم، و ما زلت أحرك في آثاركم مذ رفعتم لي [٩]؛ فقد ازددت بكم غبطة. فأقبل عليه محمد، و كان صاحب جدّ يكره الباطل و أهله، فقال: لكنّا و اللّه ما اغتبطنا بك و لا نحبّ مسايرتك، فتقدّم عنّا أو تأخّر. فقال: و اللّه ما رأيت كاليوم جوابا! قال: هو ذاك. قال: و كان محمد صاحب جدّ [يكره الباطل و أهله] [١٠]، فأشفقنا مما صنع، و معه عدّة من آل الزبير [١١]، فلم يقدر أحد منهم أن يردّ عليه. قال: و تقدّم الأحوص، و لم يكن لي شأن غير أن أعتذر إليه. فلمّا هبطنا من المشلّل [١٢] على خيمتي أمّ
[١] خيمة أم معبد و يقال بئر أم معبد: موضع بين مكة و المدينة نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم في هجرته. و معه أبو بكر رضي اللّه عنه، و قصته مشهورة. قالوا: لما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يزل مساحلا حتى انتهى إلى قديد فانتهى إلى خيمة منتبذة، و ذكروا الحديث، و سمع هاتف ينشد:
جزى اللّه خيرا و الجزاء بكفه
رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
[٢] اخدمه: وهب له خادما.
[٣] في الأصول: «و كل مملوك له».
[٤] الاجتهاد: بذل الوسع و المجهود في طلب الأمر، و هو افتعال من الجهد بمعنى الطاقة. فلعل معنى قوله: «مجتهدا على نفسك»:
باذلا ما في وسعي و طاقتي في القضاء على نفسك.
[٥] نخله القول: نسبه إليه و هو لم يقله.
[٦] كذا في «المشتبه» للذهبي (ص ١٤٧) و «فهرس» الطبري. و في الأصول: «حبيب» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.
[٧] قال ياقوت في «معجمه»: «قديد بالتصغير: اسم موضع قرب مكة. قال ابن الكلبيّ: لما رجع تبّع من المدينة بعد حربه لأهلها نزل قديدا فهبت ريح قدّت خيم أصحابه، فسمى قديدا». و قال في «اللسان» مادّة قدد: «قديد: ماء بالحجاز و هو مصغر، و ورد ذكره في الحديث؛ قال ابن سيده: و قديد موضع، و بعضهم لا يصرفه و يجعله اسما للبقعة».
[٨] وفقكم لي: جعلكم تصادفونني و تلاقونني. و في «اللسان» (مادة وفق): «و يقال: وفقت له و وفّقت له و وفقته و وفقني، و ذلك إذا صادفني و لقيني».
[٩] رفع لي الشيء: أبصرته من بعد.
[١٠] زيادة عن ط، م، ء.
[١١] في ط، م، ء: «من ولد الزبير».
[١٢] المشلل (بالضم فالفتح و فتح اللام المشدّدة): جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. (انظر ياقوت في المشلل).