الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٣ - قصته مع شامي من قواد هشام أراد أن يتزوج من المدينة
حيّ العمود و من بعقوته [١]
وقفا العمود و إن جلا أهله [٢]
قال: فاستحسن الشاميّ غناءه، و قال له: زدني؛ فقال: أ و ما يكفيك ما سمعت؟ قال: لا و اللّه ما يكفيني.
قال: فإنّ لي إليك حاجة. قال: و ما هي؟ قال: تبيعني أحد هذين الغلامين أو كليهما. قال: اختر أيّهما شئت؛ فاختار أحدهما. فقال الشاميّ: هو لك؛ فقبله الدّلال، ثم غنّاه:
دعتني دواع من أريّا فهيّجت
هوى كان قدما من فؤاد طروب
لعلّ زمانا قد مضى أن يعود لي
فتغفر أروى عند ذاك ذنوبي
سبتني أريّا يوم نعف محسّر [٣]
بوجه جميل للقلوب سلوب
فقال له الشاميّ: أحسنت! ثم قال له: أيها الرجل الجميل، إن لي إليك حاجة. قال: و ما هي؟ قال: أريد وصيفة ولدت في حجر صالح، و نشأت في خير، جميلة الوجه مجدولة، وضيئة، جعدة [٤]، في بياض مشربة حمرة، حسنة القامة، سبطة [٥]، أسيلة الخدّ،/ عذبة اللسان، لها شكل و دلّ، تملأ العين و النفس. فقال له الدّلال:
قد أصبتها لك، فما لي عليك إن دللتك؟ قال: غلامي هذا. قال: إذا رأيتها و قبلتها [٦] فالغلام لي؟ قال نعم. فأتى امرأة كنى عن اسمها، فقال لها: جعلت فداك! إنّه نزل بقربي رجل من أهل الشأم من قوّاد هشام له ظرف و سخاء، و جاءني زائرا فأكرمته، و رأيت معه غلامين كأنّهما الشمس الطالعة و القمر المنير و الكواكب الزاهرة، ما وقعت عيني على مثلهما و لا ينطلق لساني بوصفهما، فوهب لي أحدهما و الآخر عنده؛ و إن لم يصل إليّ فنفسي خارجة. قالت:
فتريد ما ذا؟ قال: طلب منّي و صيفة يشتريها على صفة لا أعلمها في أحد إلّا في فلانة بنتك، فهل لك أن تريها له؟
قالت: و كيف لك بأن يدفع الغلام إليك إذا رآها؟ قال: فإنّي قد شرطت عليه ذلك عند النظر لا عند البيع. قالت:
فشأنك و لا يعلم/ أحد بذلك. فمضى الدلال فجاء الشاميّ معه. فلمّا صار إلى المرأة أدخلته، فإذا هو بحجلة [٧] و فيها امرأة على سرير مشرف برزة جميلة، فوضع له كرسيّ فجلس. فقالت له: أ من العرب أنت؟ قال نعم. قالت:
من أيّهم؟ قال: من خزاعة. قالت: مرحبا بك و أهلا، أيّ شيء طلبت؟ فوصف الصفة؛ فقالت: أصبتها، و أصغت [٨] إلى جارية لها فدخلت فمكثت هنيهة ثم خرجت؛ فنظرت إليها المرأة فقالت لها: أي حبيبتي، اخرجي؛ فخرجت وصيفة ما رأى الرّاءون مثلها. فقالت لها: أقبلي فأقبلت، ثم قالت لها: أدبري، فأدبرت تملأ العين و النفس؛ فما بقي منها شيء إلّا وضع يده عليه. فقالت: أ تحبّ أن نؤزّرها لك؟ قال نعم. قالت: أي حبيبتي ائتزري، فضمّها الإزار و ظهرت محاسنها الخفيّة، و ضرب بيده على عجيزتها و صدرها. ثم قالت: أ تحبّ أن
[١] العقوة: الساحة.
[٢] كذا في جميع الأصول. و فيه إقواء.
[٣] النعف: المرتفع من الأرض في اعتراض. و قيل: ما انحدر عن السفح و غلظ و كان فيه صعود و هبوط. (و محسر بالضم فالفتح و كسر السين المشدّدة): موضع بين مكة و عرفة، و قيل: بين منى و عرفة، و قيل: بين منى و المزدلفة.
[٤] الجعدة: التي في شعرها جعودة.
[٥] كذا في أكثر الأصول؛ يقال: غلام سبط الجسم أي حسن القدّ لطيفه. و في ء، ط: «شاطّة» أي حسنة القوام في اعتدال.
[٦] كذا في: ح. و في سائر الأصول: «قلبتها».
[٧] الحجلة: بيت يزين بالثياب و الأسرّة و الستور.
[٨] أي مالت إليها برأسها.