الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٠ - رواية المدائني في ذلك
خارج، ثم يزعم أنّ هشاما يحمل المدح و لا أحملها! ثم قال: عليّ بالحاجب، فأتاه. فقال: لا أعلم ما أذنت لطريح و لا رأيته على وجه الأرض؛ فإن حاولك فاخطفه بالسيف. فلمّا كان العشيّ و صلّيت العصر، جاء طريح للساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل. فقال له الحاجب: وراءك! فقال: ما لك! هل دخل عليّ وليّ العهد أحد بعدي؟ قال: لا! و لكن ساعة ولّيت من عنده دعاني فأمرني ألّا آذن لك، و إن حاولتني في ذلك خطفتك بالسيف. فقال: لك عشرة آلاف [درهم] [١] و أذن لي في الدخول عليه. فقال له الحاجب: و اللّه لو أعطيتني خراج العراق ما أذنت لك في ذلك، و ليس لك من خير في الدخول عليه فارجع. قال: ويحك! هل تعلم من دهاني عنده؟
قال الحاجب: لا و اللّه! لقد دخلت عليه و ما عنده أحد، و لكنّ اللّه يحدث ما يشاء في اللّيل و النهار. قال: فرجع طريح و أقام بباب الوليد سنة لا يخلص إليه و لا يقدر على الدخول عليه. و أراد الرجوع إلى بلده و قومه فقال: و اللّه إنّ هذا لعجز بي أن أرجع من غير أن ألقى وليّ العهد فأعلم من دهاني عنده. و رأى أناسا كانوا له أعداء قد فرحوا بما كان من أمره، فكانوا يدخلون على الوليد/ و يحدّثونه و يصدر عن رأيهم. فلم يزل يلطف بالحاجب [٢] و يمنّيه؛ حتّى قال له الحاجب: أمّا إذ أطلت المقام فإنّي أكره أن تنصرف على حالك هذه، و لكنّ الأمير إذا كان يوم كذا و كذا دخل الحمّام، ثم أمر بسريره فأبرز، و ليس عليه يومئذ حجاب؛ فإذا كان ذلك اليوم أعلمتك فتكون قد دخلت عليه و ظفرت بحاجتك و أكون أنا على حال عذر. فلمّا كان ذلك اليوم، دخل الحمّام و أمر بسريره فأبرز و جلس عليه، و أذن للناس فدخلوا عليه، و الوليد ينظر إلى من أقبل. و بعث الحاجب إلى طريح، فأقبل و قد تتامّ الناس. فلما نظر الوليد إليه من بعيد صرف عنه وجهه، و استحيا أن يردّه من بين الناس؛ فدنا فسلّم فلم يردّ عليه السّلام. فقال طريح يستعطفه و يتضرّع إليه:
نام الخليّ من الهموم و بات لي
ليل أكابده و همّ مضلع
و سهرت لا أسري و لا في لذّة
أرقي و أغفل ما لقيت الهجّع
أبغي وجوه مخارجي من تهمة
أزمت عليّ و سدّ منها المطلع
جزعا لمعتبة الوليد و لم أكن
من قبل ذاك من الحوادث أجزع
يا ابن الخلائف إنّ سخطك لامرى ء
أمسيت عصمته بلاء مفظع
فلأنزعنّ عن الذي لم تهوه
إن كان لي و رأيت ذلك منزع/
فاعطف فداك أبي عليّ توسّعا
و فضيلة فعلى الفضيلة تتبع
فلقد كفاك و زاد ما قد نالني
إن كنت لي ببلاء ضرّ تقنع
سمة لذاك عليّ جسم شاحب
باد تحسّره و لون أسفع [٣]/
إن كنت في ذنب عتبت فإنّني
عمّا كرهت لنازع متصرّع
[١] زيادة في ء.
[٢] في ط، ء: «يلطف للحاجب». و في أساس البلاغة: «و أنا ألطف بفلان إذا أريته مودّة و رفقا في المعاملة». و في «اللسان»: «يقال:
لطف به و له بالفتح يلطف لطفا إذا رفق به ...».
[٣] أسفع: شاحب متغير من مقاساة المشاق.