الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٦ - إعجاب عمارة بن عقيل بشعره
المفضلون له
و قد فضّل أبا تمام من الرؤساء و الكبراء و الشعراء، من لا يشقّ الطاعنون عليه غباره، و لا يدركون- و إن جدّوا- آثاره، و ما رأى الناس بعده إلى حيث انتهوا له في جيّده نظيرا و لا شكلا؛ و لو لا أن الرواة قد أكثروا في الاحتجاج له و عليه، و أكثر متعصبوه الشرح لجيد شعره، و أفرط معادوه في التسطير لرديئه، و التنبيه على رذله و دنيئه، لذكرت منه طرفا، و لكن قد أتى من ذلك مالا مزيد عليه.
إعجاب ابن الزيات و الصولي بشعره
أخبرني عمي قال: حدثني أبي قال: سمعت محمد بن عبد الملك الزيات يقول: أشعر الناس طرّا الذي يقول:
و ما أبالي و خير القول أصدقه
حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
فأحببت أن أستثبت إبراهيم بن العباس [١]، و كان في نفسي أعلم من محمد و آدب، فجلست إليه، و كنت أجري عنده مجرى الولد، فقلت له: من أشعر أهل زماننا هذا؟ فقال: الذي يقول:
مطر أبوك أبو أهلّة وائل
ملأ البسيطة عدّة و عديدا
/ نسب كأنّ عليه من شمس الضّحى
نورا و من فلق الصباح عمودا
ورثوا الأبوّة و الحظوظ فأصبحوا
جمعوا جدودا في العلا و جدودا [٢]
فاتفقا على أن أبا تمام أشعر أهل زمانه.
إعجاب عمارة بن عقيل بشعره
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ، و علي بن سليمان الأخفش قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحويّ قال:
قدم عمارة بن عقيل بغداد، فاجتمع الناس إليه، فكتبوا شعره و شعر أبيه [٣]، و عرضوا عليه الأشعار. فقال بعضهم: هاهنا شاعر يزعم [قوم] [٤] أنه أشعر الناس طرّا، و يزعم غيرهم ضدّ ذلك. فقال: أنشدوني قوله.
فأنشدوه:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد
و عاد قتادا عندها كلّ مرقد
و أنقذها من غمرة الموت أنّه
صدود فراق لا صدود تعمّد
فأجرى لها الإشفاق دمعا مورّدا
من الدم يجري فوق خد مورّد
هي البدر يغنيها تودّد وجهها
إلى كلّ من لاقت و إن لم تودّد
ثم قطع المنشد. فقال له عمارة: زدنا من هذا. فوصل نشيده و قال:
[١] هو إبراهيم بن العباس الصولي من كبار الكتاب و الشعراء في صدر الدولة العباسية.
[٢] جدود: جمع جد، الأولى بمعنى الآباء، و الثانية بمعنى الحظوظ.
[٣] هو عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير الشاعر الأموي المشهور ( «الخزانة» ١: ٣٦).
[٤] زيادة يقتضيها المعنى.