الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٠ - شعره في الجواري الباكيات
من رأى، فلم يزل محبوسا بها ثلاث سنين، ثم أطلق، و أقام بها إلى أن مات. و كان سبب موته أنه جدر، فمات في الجدريّ، و هو الذي يقول في الحبس:
طرب الفؤاد و عاودت أحزانه
و تشعبت شعبا به أشجانه
و بدا له من بعد ما اندمل الهوى
برق تألّق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرّداء و دونه
صعب الذّرا متمنع أركانه
فدنا لينظر كيف لاح فلم يطق
نظرا إليه و رده سجّانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه
و الماء ما سحّت [١] به أجفانه
ثم استعاذ من القبيح و ردّه
نحو العزاء عن الصّبا إيقانه
و بدا له أن الذي قد ناله
ما كان قدّره له ديّانه
حتى اطمأن ضميره و كأنما
هتك العلائق عامل و سنانه [٢]
/ يا قلب لا يذهب بحلمك باخل
بالنّيل باذل تافه منّانه
يعد القضاء و ليس ينجز موعدا
و يكون قبل قضائه ليّانه [٣]
خدل الشّوى حسن القوام [٤] مخصّر
عذب لماه طيّب أردانه
و اقنع بما قسم الإله فأمره
ما لا يزال على الفتى إتيانه
و البؤس ماض ما يدوم كما مضى
عصر النعيم و زال عنك أوانه
شجاعته
أخبرني عمي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال:
كنت مع أبي عبد اللّه محمد بن صالح في منزل بعض إخواننا، فأقمنا إلى أن انتصف الليل، و أنا أرى أنه يبيت، فإذا هو قد قام،/ فتقلد سيفه، و خرج، فأشفقت عليه من خروجه في ذلك الوقت، و سألته المقام و المبيت، و أعلمته خوفي عليه، فالتفت إليّ مبتسما و قال:
إذا ما اشتملت السيف و الليل لم أهل
لشيء و لم تقرع فؤادي القوارع
شعره في الجواري الباكيات
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال:
مرّ محمد بن صالح بقبر لبعض ولد المتوكل، فرأى الجواري يلطمن عنده، فأنشدني لنفسه:
رأيت بسامرّا صبيحة جمعة
عيونا يروق الناظرين فتورها
[١] أ، م: جادت.
[٢] العامل من الرمح: صدره، و هو ما يلي السنان.
[٣] ليانه: إخلاف موعده، و هو مصدر لواه بحقه: إذا ماطله.
[٤] أ، م: القيام.