الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٩ - عبد الملك بن بشر يعبث به
و العبد لا يطلب العلاء و لا
يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقّع السّوء لا
يحسن مشيا إلا إذا ضربا [١]
قد يرزق الخافض المقيم و ما
شد بعيس رحلا و لا قتبا [٢]
و يحرم الرزق ذو المطية و الر
حل و من لا يزال مغتربا
و لم أجد عدّة الخلائق إلّا
الدّين لما اعتبرت و الحسبا [٣]
فقال: أحسنت يا نضر! و كتب لي إلى الحسن [٤] بن سهل بخمسين ألفا، و أمر خادما بإيصال رقعة، و تنجيز ما أمر به لي، فمضيت معه إليه، فلما قرأ التوقيع ضحك، و قال لي: يا نضر، أنت الملحّن/ لأمير المؤمنين؟ قلت: لا، بل لهشيم. قال: فذاك إذن، و أطلق لي الخمسين ألف درهم، و أمر لي بثلاثين ألفا.
عبد الملك بن بشر يعبث به
أخبرني الحسين بن يحيى، قال: حدّثنا حماد عن أبيه، قال:
بلغني أن حمزة بن بيض الحنفيّ كان يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، و كان/ عبد الملك يعبث به عبثا شديدا، فوجه إليه ليلة برسول، و قال: خذه على أي حال وجدته عليها، و لا تدعه يغيرها، و حلّفه على ذلك، و غلّظ الأيمان عليه. فمضى الرسول، فهجم عليه، فوجده يريد أن يدخل الخلاء، فقال: أجب الأمير. فقال: ويحك، إني أكلت طعاما كثيرا، و شربت نبيذا حلوا، و قد أخذني بطني. قال: و اللّه لا تفارقني أو أمضي بك إليه، و لو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص، فلم يقدر عليه، فمضى به إلى عبد الملك، فوجده قاعدا في طارمة [٥] له، و جارية جميلة كان يتحظاها جالسة بين يديه، تسجر الندّ في طارمته، فجلس يحادثه و هو يعالج ما هو فيه.
قال: فعرضت لي ريح، فقلت: أسرحها و أستريح، فلعل ريحها لا يتبين مع هذا البخور، فأطلقتها، فغلبت و اللّه ريح الندّ و غمرته، فقال: ما هذا يا حمزة! قلت: عليّ عهد اللّه و ميثاقه، و عليّ المشي و الهدي إن كنت فعلتها.
و ما هذا إلا عمل هذه الفاجرة. فغضب و احتفظ، و خجلت الجارية، فما قدرت على الكلام، ثم جاءتني أخرى فسرّحتها، و سطع و اللّه ريحها. فقال: ما هذا ويلك! أنت و اللّه الآفة. فقلت: امرأتي فلانة طالق ثلاثا إن كنت فعلتها. قال: و هذه اليمين لازمة لي إن كنت فعلتها، و ما هو إلا عمل هذه الجارية، فقال: ويلك ما قصتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين حسّا، فزاد خجلها و أطرقت. و طمعت فيها، فسرّحت الثالثة، و سطع من ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك، حتى كاد يخرج من جلده، ثم قال: خذ يا حمزة بيد الزانية، فقد وهبتها لك، و امض فقد نغصت عليّ ليلتي.
فأخذت و اللّه بيدها، و خرجت، فلقيني خادم له، فقال: ما تريد أن تصنع؟ قلت: أمضي بهذه. قال: لا
[١] الموقع: الذي في ظهره سحج، و قيل في أطراف عظامه، من الركوب؛ و ربما انحص عنه الشعر، و نبت أبيض. و في «اللسان»:
الموقع الظهر و في الأصول: لا يحمل شيئا.
[٢] القتب: الرحل.
[٣] في الأصول عدا ف، مب: لما اختبرت.
[٤] في الأصول عدا ف، مب: الفضل.
[٥] الطارمة: بيت من خشب كالقبة، فارسي معرب، عن «تاج العروس».