الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٥ - أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
أحيل الناس و أشجعهم و أجبنهم
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني محمد بن يعقوب بن أبي مريم العدويّ [١] البصري، قال: حدّثني محمد بن عمر الأزدي، قال: حدّثني أبو البلاد [٢] الغطفاني و قبيصة بن ميمون [٣] الصادري، قالا:
سأل عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه عمرو بن معد يكرب الزّبيدي: من أشجع من رأيت؟ فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين لأخبرنك عن أحيل [٤] الناس، و عن أشجع الناس، و عن أجبن الناس. فقال له عمر: هات. فقال: أربعت المدينة، فخرجت كأحسن ما رأيت، و كانت لي فرس شمقمقة [٥] طويلة سريعة الإبقاء [٦]، تمطّق [٧] بالعرق تمطق الشيخ/ بالمرق، فركبتها، ثم آليت لا ألقي أحدا إلا قتلته. فخرجت و عليّ مقدّى [٨]، فإذا أنا بفتى بين غرضين [٩]، فقلت له: خذ حذرك، فإني قاتلك. فقال: و اللّه ما أنصفتني يا أبا ثور، أنا كما ترى أعزل أميل [١٠] عوّارة- و العوارة:
الذي لا ترس معه- فأنظرني حتى آخذ نبلي. فقلت: و ما غناؤها عنك؟ قال: أمتنع بها. قلت: خذها. قال: لا و اللّه أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنك لا تروّعني حتى آخذها. فأثلجته، فقال: و إله قريش لا آخذها أبدا. فسلم و اللّه مني و ذهبت؛ فهذا أحيل الناس.
ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو اللّه إني لأسير في قمر زاهر [١١]، كالنور الظاهر [١٢]، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة، و هو يقول:
يا لدينا يا لدينا
ليتنا يعدى علينا
ثم يبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته، فيرمي بها في السماء، فلا تبلغ الأرض حتى ينظمها بمشقص [١٣] من نبله. فصحت به:
خذ حذرك ثكلتك أمك، فإني قاتلك. فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض. فقلت: إن هذا إلا استخفاف. فدنوت منه، و صحت به: ويلك: ما أجهلك! فما تحلحل و لا زال عن موضعه، فشككت الرمح في إهابه، فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فمضيت و تركته؛ فهذا أجبن الناس.
[١] الأصول عدا ف، مب: العذري.
[٢] في الأصول عدا ف، مب: أبو العلاء.
[٣] في الأصول عدا ف، مب: منهور.
[٤] أحيل: كذا بالياء من الحيل بمعنى الحيلة، أي الحذق (انظر «تاج العروس»).
[٥] الشمقمقة: الطويلة.
[٦] يريد بشريعة الإبقاء، أنها تسرع استئناف الجري بعد التعب.
[٧] التمطق: إلصاق اللسان بالغار الأعلى، فيسمع له صوت عند استطابة الشيء، يريد أن العرق يسيل من وجهها إلى فمها، فتتمطق، لالفها الجري و مزاولة الأسفار.
[٨] المقد: حديدة يقد بها الجلد، يريد بها سيفه.
[٩] الغرض: شعبة في الوادي غير كاملة.
[١٠] اعزل: لا سلاح معه. و أميل: لا يستقر على الخيل.
[١١] كذا في ف، مب. و في الأصول: باهر.
[١٢] ف: الناظر.
[١٣] المشقص: نصل طويل غير عريض.