الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩٣ - الأخطل يهجو الأنصار
/
قوم إذا هدر العصير رأيتهم
حمرا عيونهم من المسطار [١]
خلّوا المكارم لستم من أهلها
و خذوا مساحيكم بني النجار [٢]
إن الفوارس يعرفون ظهوركم
أولاد كل مقبّح أكار [٣]
ذهبت قريش بالمكارم و العلا
و اللؤم تحت عمائم الأنصار [٤]
فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فدخل على معاوية، فحسر عمامته عن رأسه، و قال: يا أمير المؤمنين، أ ترى لؤما؟ قال: بل أرى كرما و خيرا. فما ذاك؟ قال: زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار. قال: أو فعل ذلك؟ قال: نعم. قال لك لسانه. و كتب فيه أن يؤتى به. فلما أتى به، سأل الرسول أن يدخله إلى يزيد أولا، فأدخله عليه. فقال له: هذا الذي كنت أخاف. قال: لا تخف شيئا. و دخل إلى معاوية، فقال: علام أرسل إلى هذا الرجل الذي يمدحنا، و يرمي من وراء جمرتنا [٥]؟ قال: هجا الأنصار. قال: و من زعم ذلك؟ قال: النعمان بن بشير. قال: لا تقبل قوله عليه، و هو المدعى/ لنفسه، و لكن تدعوه بالبينة، فإن أثبت شيئا أخذت به له. فدعاه بالبينة، فلم يأت بها، فخلى سبيله، فقال الأخطل:
و إنى غداة استعبرت أم مالك
لراض من السلطان أن يتهددا [٦]
/ و لو لا يزيد ابن الملوك و سعيه
تجللت حدبارا من الشر أنكدا [٧]
فكم أنقدتني من خطوب حباله
و خرساء لو يرمى بها الفيل بلدا [٨]
و دافع عني يوم جلّق غمرة
و همّا ينسّيني الشراب المبرّدا [٩]
و بات نجيّا في دمشق لحية
إذا همّ لم ينم السليم و أقصدا [١٠]
يخافته طورا، و طورا إذا رأى
من الوجه إقبالا ألحّ و أجهدا [١١]
أبا خالد دافعت عني عظيمة
و أدركت لحمي قبل أن يتبددا
[١] المسطار: كذا في ف. و في (ب ١٣: ١٤٨)، و في بقية الأصول: المصطار، و هما لغتان في الخمر التي اعتصرت حديثا من أبكار العنب، أو الخمر الحامضة.
[٢] المساحي: جمع مسحاة، و هي المجرفة من الحديد، يجرف بها الطين من على وجه الأرض. يهجوهم بأنهم حراثون، يقلبون الأرض بمساحيهم. و بنو النجار: فريق من أهل المدينة.
[٣] الأكار: الحراث الزارع.
[٤] كذا في ف. و في أكثر الأصول «بالمكارم كلها».
[٥] أصل الجمرة: القبيلة التي لا تنضم إلى غيرها بحلف أو نحوه في القتال؛ و المراد هنا: الجماعة مطلقا.
[٦] «غداة استعبرت»: كذا في ف و «الأغاني» (ب ١٣: ١٤٨). و في جميع الأصول هنا «و إن استعبرت». و يلزم على هذه الرواية قطع همزة الوصل للضرورة.
[٧] تجللت: علوت. و الحدبار من النوق: الضامرة التي قد يبس لحمها من الهزال، و بدا عظم ظهرها. و جعل ذلك مثلا للأمر الصعب.
و هذه رواية (ب ١٣: ١٤٩). و في سائر الأصول هنا «تحللت جرباذاي» تحريف.
[٨] الخرساء: كذا في «الأغاني» (ب ١٣: ١٤٩) و في سائر الأصول: كرساء. تحريف. و الخرساء: الداهية. و بلد: ضعف و استكان، أو سقط إلى الأرض. و في ف «عردا».
[٩] الغمرة: الشدة. و الشراب: كذا في ف. و في الأصول: السلاف. و هو خالص الخمر، أو ما سال من العنب قبل أن يعصر.
[١٠] نجيا: مسارا. و الحية هنا: الرجل الداهي الشديد. و السليم: الملدوغ. و أقصدت الحية الرجل: إذا عضته فمات في مكانه.
[١١] البيت عن ف، مب.