الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٤ - حسن وجهها و غنائها
و قد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم صاروا إلى ابن أبي دواد. فشم منهم من رائحة الطيب ما أنكره، فسألهم عنه، فأعلموه أنهم حضروا عتق شارية، و تزوّج إبراهيم إياها. فركب إلى المعتصم، فحدّثه بالحديث معجبا له منه. فقال: ضلّ سعي عبد الوهاب. و دخل عبد الوهاب على المعتصم، فلما رآه يمشي في صحن الدار، سدّ المعتصم أنف نفسه، و قال: يا عبد الوهاب، أنا أشم رائحة صوف محرق، و أحسب أن عمي لم يقنعه ردّك إلا و على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك. فقال: الأمر على ما ظنّ أمير المؤمنين و أقبح.
و لما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم، ابتاع إبراهيم منه بنته ميمونة شارية، بعشرة آلاف درهم، و ستر ذلك عنها، فكان عتقه إياها و هي في ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة، فحل له فرجها، فكان يطؤها على أنها أمته، و هي تتوهم أنه يطؤها على أنها حرة. فلما توفي طلبت مشاركة أم محمد بنت خالد زوجته في الثّمن، فأظهرت خبرها. و سئلت ميمونة و هبة اللّه عن الخبر، فأخبرا به المعتصم. فأمر المعتصم بابتياعها من ميمونة، فابتيعت بخمسة آلاف و خمسمائة دينار، فحوّلت إلى داره، فكانت في ملكه حتى توفّي.
قال ابن المعتز: و قد قيل إن المعتصم ابتاعها بثلاثمائة ألف درهم.
قال: و كان منصور بن محمد بن واضح يزعم أن إبراهيم اقترض ثمن شارية من ابنته، و ملكها إبراهيم و لها سبع سنين، فرباها تربية الولد، حتى لقد ذكرت/ أنها كانت في حجره جالسة، و قد أعجب بصوت أخذته منه، إذ طمثت أوّل طمثها، فأحس بذلك، فدعا قيّمة له، فأمرها بأن تأتيه بثوب خام، فلفه عليها، فقال: احمليها، فقد اقشعرّت، و أحسب برد الحشّ قد آذاها [١].
حسن وجهها و غنائها
قال: و حدّثت شارية أنها كانت معه في حراقة قد توسط بها دجلة، في ليلة مقمرة، و هي تغني إذ اندفعت فغنت:
لقد حثوا الجمال ليه
ربوا منا فلم يئلوا
فقام إليها، فأمسك فاها، و قال: أنت و اللّه أحسن من الغريض وجها و غناء، فما يؤمنني عليك؟ أمسكي.
قال: و حدّث حمدون بن إسماعيل: أنه دخل على إبراهيم يوما، فقال له: أ تحب أن أسمعك شيئا لم تسمعه قط؟ قال: نعم. فقال: هاتوا شارية، فخرجت، فأمرها أن تغني لحن إسحاق:
هل بالديار التي حيّيتها أحد؟
قال حمدون: فغنتني شيئا لم أسمع مثله قطّ، فقلت: لا و اللّه يا سيدي ما سمعت هكذا. فقال: أ تحب أن تسمعه أحسن من هذا؟ فقلت: لا يكون. فقال: بلى و اللّه تقر بذاك. فقلت: على اسم اللّه. فغناه هو، فرأيت فضلا عجيبا. فقلت: ما ظننت أن هذا يفضل ذاك هذا الفضل. قال: أ فتحب أن تسمعه أحسن من هذا و ذاك؟ فقلت: هذا الذي لا يكون. فقال: بلى و اللّه. فقلت: فهات. قال: بحياتي يا شارية، قوليه و أحيلى [٢] حلقك فيه. فسمعت و اللّه فضلا/ بينا، فأكثرت التعجب. فقال لي: يا أبا جعفر، ما أهون هذا على السامع! تدري باللّه كم مرّة رددت عليها
[١] الحش: البستان. و في بعض النسخ: الخيش.
[٢] كذا في ف، س. و معناه: حوّلي حلقك في أثناء الغناء من حال إلى حال، ارتفاعا و انخفاضا. و في أ: و أحلى. و في ج: و اجيلى.