الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٨٤
محمد بن أبي محمد اليزيدي عن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي قال: إنّي لأطوف غداة يوم بمكة إذ لقيني ياسين الزيات، فقال: يا أبا محمد ما نمت البارحة لشيء اختلج في صدري منعني الفكر فيه النوم، و ما كنت أودّ إلّا أن أصبح فألقاك قلت: و ما ذاك؟ قال: أيجوز في كلام العرب أن يقول الرجل: «أريد أن أفعل كذا و كذا» لشيء قد فعله؟ فقلت ذلك غير جائز إلّا على ضرب من الحكاية أفسّره لك، قال: فما تقول في قول اللّه تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَ جَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً [القصص: ٤] إلى أن بلغ إلى قوله: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: ٥] فخاطب بها محمّدا صلّى اللّه عليه و سلّم و قد فعل ذلك قبل؟ قلت: هذا من الحكاية التي ذكرتها لك لأنّه قال: إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: ٤]، كأنّ تقدير الكلام: و كان من حكمنا يومئذ أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، فحكى ذلك لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم: كما قال في قصة يحيى:
وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ١٥] لأنّ تقدير الكلام:
و كان من حكمنا سلام عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيّا، فحكى ذلك لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: جزاك اللّه خيرا يا أبا محمد، فقد فرّجت عنّي بما شرحت لي.
مجلس أبي عثمان المازني مع يعقوب بن السكّيت [١]
أخبرنا أبو إسحاق الزجاج قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد عن أبي عثمان قال: جمعني و ابن السكيت بعض المجالس، فقال لي بعض من حضر: سله عن مسألة و كان بيني و بين ابن السكيت ود، فكرهت أن أتجهّمه بالسؤال لعلمي بضعفه في النحو، فلما ألحّ عليّ قلت له: ما تقول في قول اللّه عز و جل: فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ [يوسف: ٦٣]، و ما وزن «نكتل» من الفعل و لم جزمه؟ فقال:
وزنه نفعل و جزمه لأنّه جواب الأمر، قلت: فما ماضيه؟ ففكّر و تشوّر، فاستحييت له، فلمّا خرجنا قال لي: ويحك! ما حفظت الودّ، خجّلتني بين الجماعة، فقلت: و اللّه ما أعرف في القرآن أسهل منها، قال: وزن نكتل نفتعل من اكتال يكتال، و أصله:
نكتيل فقلبت الياء ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها و سكون اللام فصار نكتل.
مجلس أبي عثمان المازني مع أبي عمر الجرميّ [٢]
حدثني بعض إخواني قال: حذثنا أبو إسحاق الزجاج قال: أخبرنا محمد بن
[١] انظر مجالس العلماء (ص ٣٠٠)، و إنباه الرواة (١/ ٢٥٠).
[٢] انظر مجالس العلماء (ص ٣٠٥)، و إنباه الرواة (٢/ ٨١).