الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤٤
الشهادة يقدّم على دعوى المشهود عليه الضد أو النقيض، فظهر أنّ تقديم النفي هنا فرع المعارضة لمرجع الشهادة لا للنفي، و كلام الناس غير خفي في هذا.
و أمّا قوله: أشكل على هذا الأصل نفيهم الجهر بالبسملة فإن أراد بالأصل ما مهّده من أنّ ذلك النوع من النفي مقدّم على الإثبات فلا إشكال، لأنّه قد قدّم النفي على ذلك التقدير عند معارضة الإثبات، و إنما الكلام في تحقيق المعارضة، و لا شك أنّ رجلا لو واظب الصلاة خلف رجل في الجهريّة سنة كاملة، و هو مع ذلك حريص على استعلام أحواله في الصلاة، ثم يقول بعد عدم شكه في سماعه جهره فيما جهر به في القراءة: لم أسمعه قرأ كذا، مع فرض أنّ ذلك الذي ذكر أنه لم يسمعه ليس ممّا يقرأ أحيانا و يترك غالبا بل مما هو مواظب عليه في كل جهريّة بادر إلى كل عاقل سمعه أنّ ذلك المصلي لم يجهر بذلك، و كان أقل الأمر أنّه كقوله: لم يجهر بكذا، و كل احتمال يروّجه الوهم مع هذه الحالة المفروضة من الراوي مما يثبته العلم العادي فكيف يقرب مع العقل مع مواظبة أنس رضي اللّه عنه عشر سنين على الوجه المذكور مع مواظبة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم على الجهر بالبسملة كونه لم يتفق مرة من ألف مرة أن يسمعه؟
هذا محال عادة، فكان قوله: لم أسمع كقوله: لم يجهر فعارض رواية الجهر.
و إن أراد أنه يرد على شقي مسألة الشهادة في الطلاق و هي ما إذا قال الشهود:
لم نسمعه استثنى و قال هو: استثنيت حيث قدم دعوى الإثبات على قولهم، غير أنّ في عبارة المورد قصورا عن إفادة مرامه، فليس بشيء، فإنّ قبول قولهم لعدم المعارضة بين قوله: استثنيت و قولهم: لم نسمع لجواز الاستثناء مع عدم سماعه بأن يستثني خفيا بحيث يسمع نفسه و من توجه لاستعلام حاله، فإذا كانا مما يجتمعان أعني الاستثناء و عدم السماع لم تكن شهادتهما تعارض دعواه، و أين هذا من قول القائل: جهر مع قول المصغي إليه في عمره: لم أسمع، قد بيّنّا ثبوت المعارضة فيه بما لم يبق بعده إلّا الشغب المحرم.
و إنما كان الإشكال يرد على مسألة الشهادة لو كان الزوج قد قال: جهرت بالاستثناء فقال المتوجهون إليه للشهادة لم نسمعه، و حكمها على هذا التقدير غير مذكور، و لنا أن نقول على هذا التقدير: تقدم الشهادة و يحكم بالفرقة.
و إذ قد ظهر أنّ ما وقع في هذا السؤال من تمهيد الأصل و إيراد التفريغ عليه ثم إيراد الإشكال كله خطأ مع نسبتي ذلك إلى الكتابة لا إلى المورد، فإني لم أعلم أنّ الكتابة كتابته، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.