الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢١
يكون البحاتر هو المبتدأ و شرّ النساء هو الخبر، فقلت له: الذي قلت هو الوجه المختار و ما قاله النحويّ الذي حكيت عنه جائز غير ممتنع، فقال: و كيف يصح ما قال؟ و هل غرض الشاعر إلّا أن يخبر أنّ البحاتر شرّ النساء؟ و جعل يكثر من ذكر الموضوع و المحمول، و يورد الألفاظ المنطقية التي يستعملها أهل البرهان، فقلت له: أنت تريد أن تدخل صناعة المنطق في صناعة النحو، و صناعة النحو تستعمل فيها مجازات و مسامحات لا يستعملها أهل المنطق، و قد قال أهل الفلسفة: يجب أن تحمل كل صناعة على القوانين المتعارفة بين أهلها، و كانوا يريدون أنّ إدخال بعض الصناعات في بعض إنما يكون من جهل المتكلم أو عن قصد منه للمغالطة و استراحة بالانتقال من صناعة إلى أخرى. إذا ضاقت عليه طرق الكلام، و صناعة النحو قد تكون فيها الألفاظ مطابقة للمعاني، و قد تكون مخالفة لها إذا فهم السامع المراد، فيقع الإسناد في اللفظ إلى شيء و هو في المعنى مسند إلى شيء آخر إذا علم المخاطب غرض المتكلم و كانت الفائدة في كلا الحالين واحدة، فيجيز النحويون في صناعتهم: «أعطي درهم زيدا»، و يرون أنّ فائدته كفائدة قولهم: «أعطي زيد درهما»، فيسندون الإعطاء إلى الدرهم في اللفظ، و هو مسند في المعنى إلى زيد، و كذلك يجيزون: ضرب بزيد الضرب [١]، و خرج بزيد اليوم، و ولد لزيد ستون عاما [٢]، و قد علم أنّ الضرب لا يضرب و اليوم اتّكالا على فهم السامع، و ليس هذا لضرورة شاعر، بل هو للمعاني، لأن الإسناد وقع فيها إلى شيء و هو في المعنى إلى شيء آخر اتّكالا على فهم السامع، و ليس هذا لضرورة شاعر، بل هو كلام العرب الفصيح المتعارف بينها في محاوراتها، و هذا أشهر عند النحويين من أن يحتاج فيه إلى بيان، و ممّا يبين هذا أنّ النحويين قد قالوا: إذا اجتمعت معرفتان جعلت أيتهما شئت الاسم و أيتهما شئت الخبر، فتقول: «كان زيد أخاك»، و «كان أخوك زيدا» [٣]، فإن قال قائل: الفائدة فيهما مختلفة، لأنّه إذا قال: «كان زيد أخاك» أفادنا الأخوّة، و إذا قال: «كان أخوك زيدا» أفادنا أنّه زيد، فالجواب: أنّ هذا جائز صحيح لا ينازع فيه منازع، و يجوز أيضا أن يقال: «كان أخوك زيدا» و المراد: كان زيد أخاك، فيقع الإسناد في اللفظ إلى الأخ و هو في المعنى إلى زيد، و الدليل على ذلك أنّ القرّاء قرؤوا:
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [النمل: ٥٦]، برفع الجواب و نصبه، فتارة يجعلون الجواب الاسم و القول الخبر، و تارة يجعلون القول هو الاسم و الجواب الخبر،
[١] انظر شرح المفصل (٧/ ٧٣).
[٢] انظر الكتاب (١/ ٢٣٣، ٢٨٢).
[٣] انظر شرح المفصّل (٧/ ٩٥).