الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٦
يا هذا غلطت أوّلا في التلاوة بإسقاط الواو من قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ثم قلت: إنّ العلماء قد ذكروا في نصب كلالة أشياء جميعها عندك فاسد، و إنّ تخليط ابن قتيبة فيها على تخليطهم زائد، و سأبيّن صحّة أقوال العلماء فيها، و أنّ الفساد إنما جاء من قلّة فهمك لمعانيها: [الوافر]
[٥٢٣]- و من يك ذا فم مرّ مريض
يجد مرّا به الماء الزّلالا
اعلم أنّ الكلالة فيما نحن بصدده هي في الأصل مصدر قولك: كلّ الميّت يكلّ كلالة فهو كلّ، و ذلك إذا لم يرثه ولد و لا والد، و كذلك أيضا يقال: رجل كلّ إذا لم يكن له ولد و لا والد، فهذا أصل الكلالة، أعني كونها حدثا لا عينا، ثم يوقعونها على العين و لا يريدون بها الحدث، كما يفعلون ذلك بغيرها من المصادر، فيقولون: هذا رجل كلالة أي: كلّ، كما يقولون: عدل أي: عادل، و على هذا الوجه حمل جمهور العلماء و أهل اللغة قول اللّه عز و جلّ:
وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً [النساء: ١٢] فجعلوا الكلالة اسما للمورث، و لم يريدوا أنّها بمعنى الحدث، فيكون نصب كلالة على هذا من وجهين:
أحدهما: أن يكون خبر كان.
و الثاني: أن يكون حالا من الضمير في «يورث» على أنّ تقدير كان هي التامة، فيكون التقدير فيه: و إن وقع أو حضر رجل يورث و هو كلالة أي: كلّ.
و على هذين الوجهين أعني في نصب الكلالة ذهب أبو الحسن الأخفش، و أجاز غيره أن تكون الكلالة في الآية على بابها، أعني أن تكون اسما للحدث دون العين، فيكون انتصابها أيضا من وجهين:
أحدهما: أن تكون من المصادر التي وقعت أحوالا، نحو: جاء زيد ركضا، و العامل فيه يورث على حدّ ما تقدّم، و كلالة هاهنا مصدر في موضع الحال كما كان في قولهم: هو ابن عمّي دنية.
و الوجه الآخر: أن يكون انتصاب كلالة في الآية انتصاب المصادر التي تقع أحوالا، و يكون في الكلام حذف مضاف تقديره: يورث وراثة كلالة، و على ذلك قولهم: ورثته كلالة، و قول الفرزدق: [الطويل]
[٥٢٤]- ورثتم قناة الدّين لا عن كلالة
عن ابني مناف عبد شمس و هاشم
[٥٢٣] - البيت للمتنبي في ديوانه (ص ١٣٠).
[٥٢٤] - الشاهد للفرزدق في ديوانه (ص ٨٥٢)، و الكامل (٣/ ٢٠٤)، و اللسان (كلل).