الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٧٧
حضرت مجلس أبي بكر بن دريد و قد سأله بعض الناس عن معنى قول الشاعر: [الوافر]
هجرتك لا قلى منّي و لكن
رأيت بقاء ودّك في الصّدود
كهجر الحائمات الورد لمّا
رأت أنّ المنيّة في الورود
تفيض نفوسها ظمأ و تخشى
حماما فهي تنظر من بعيد
قال: الحائم: الذي يدور حول الماء و لا يصل إليه، يقال: حام يحوم حياما، و معنى الشعر أنّ الأيائل تأكل الأفاعي في الصيف فتحمى و تلهب لحرارتها فتطلب الماء، فإذا وقعت عليه امتنعت من شربه و حامت حوله تتنسّمه لأنّها إن شربته في تلك الحال و صادف الماء السّمّ الذي في أجوافها تلفت، فلا تزال تدفع شرب الماء حتى يطول بها الزمان، فيسكن فوران السّمّ، ثم تشربه فلا يضرّها، فيقول هذا الشاعر: فأنا في تركي وصالك مع شدة حاجتي إليك إبقاء على ودّك بمنزلة هذه الحائمات التي تدع شرب الماء مع شدّة حاجتها إليه إبقاء على حياتها.
مجلس بكر بن حبيب السّهميّ مع شبيب بن شيبة [١] مسائل لغويّة
قال الزجاجيّ في (أماليه) أخبرنا أبو بكر بن شقير قال: أخبرني محمد بن القاسم بن خلّاد عن عبد اللّه بن بكر بن حبيب السّهميّ عن أبيه [٢] قال: دخلت على عيسى بن جعفر بن المنصور و هو أمير البصرة أعزّيه عن طفل له مات، فبينا أنا عنده دخل عليه شبيب بن شيبة المنقريّ، فقال: أبشر أيّها الأمير، فإنّ الطّفل لا يزال محبنطئا بباب الجنة، يقول: لا أدخل حتى يدخل والداي، فقلت: أبا المعمّر دع عنك الطاء و الزم الظاء، قال: أو لي تقول هذا و ما بين لا بتيها أفصح منّي؟ فقلت له:
هذا خطأ ثان، و من أين للبصرة لابة؟ إنّا البصرة: الحجارة البيض الرّخوة، و الّلابة:
الحجارة السّود [٣]. و يقال: لابة و لاب، و لوبة و لوب، و نوبة و نوب لمعنى واحد، فكان كلّما انتعش انتكس.
و قال أبو بكر الزبيدي في (طبقاته) [٤]: حدّثنا محمد بن موسى بن حماد
[١] انظر أمالي الزجاجي (ص ٢٤٨)، و المزهر (٢/ ٣٥٤).
[٢] بكر بن حبيب السهميّ: والد المحدّث عبد اللّه بن بكر، أخذ عن أبي إسحاق. ترجمته في بغية الوعاة (١/ ٤٦٢).
[٣] الخبر في بغية الوعاة (١/ ٤٦٢).
[٤] انظر طبقات الزبيدي (ص ١٣٥).