الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٨
فهذا خلف من الكلام، ليس في كلامهم كلمة جدّ و لا هزل إلّا و تحتها معنى من فنها، و لو تكلف ذلك متكلف حتى يستقصيه لأوضح منه ما خفي، فأمّا قولهم: إنّ العرب لم تدر ما الاستطاعة و ما القدرة و ما القوة فكيف يكون ذلك و قد جاء في الشعر الفصيح عن المطبوعين دون المتكلفين؟ قال عمرو بن معد يكرب: [الوافر]
[٤١٤]- إذا لم تستطع شيئا فدعه
و جاوزه إلى ما تستطيع
و قال القطاميّ و هو حجة: [الوافر]
[٤١٥]- أمور لو تدبّرها حليم
لهيّب أو لحذّر ما استطاعا
و هذا يكثر أدام اللّه تأييدك، فأمّا القول في أنّهم إذا قيل لأحدهم: بم استطعت قطع الحبل أو هذا الطّنب أن يقول: بسكين أو شفرة أو سيف فللاستطاعة عندهم موضعان: موضع بفضل قوة و شدة بطش، و موضع بآلة نحو: السيف و الشفرة و ما أشبههما، و في الجملة أنّهم لا يؤمنون بالاستطاعة إلّا إلى الإنسان دون سائر الحيوان، و لهم ترتيب في لغتهم، يقولون: فلان يستطيع أن يرقى هذا الجبل، و هذا الجمل مطيق للسفر، و هذا الفرس صبور على مماطلة الحضر، و كذلك قول اللّه عزّ و جلّ:
وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: ٩٧]، إنّما قال:
«استطاع» لمّا وقع الخطاب على «من» و هي تقع على من يعقل خاصة، فلزم هذا الخطاب المستطيعين الحج بأيّ ضرب من الضروب كان مطلقا بزاد و راحلة و صحة بدن و كيفما وجد السبيل إليه، هكذا ظاهر الخطاب و مخرجه على مذاهب كلام العرب.
و أمّا قوله عزّ و جلّ: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [الأنفال: ٦٠] فليس المراد بالقوة هاهنا قوة الأجسام التي بها يكون بطشها و تصرّفها و اقتدارها على ما تحاول، لأنّ ذلك ليس إلى الناس الزيادة فيه و لا النّقصان منه، و إنّما اللّه يزيد في قوى الأجسام و ينقص منها كما يريد تبارك و تعالى، و إنّما أريد به و اللّه أعلم: و أعدّوا لهم ما استطعتم من قوة أي: من الأشياء التي تتقوّون بها على العدو من سلاح و آلة و أصحاب و أنصار، و غير ذلك ممّا تفلّون به غرب عدوكم و تعلون به عليهم، و كذلك قوله: وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ أي: و أعدّوا لهم من الخيل ما تتقوّون به عليهم، و هذه القوة و رباط الخيل مّا كانوا يستطيعون إعداده و يمكنهم، فأمروا
[٤١٤] - الشاهد لعمرو بن معد يكرب في ديوانه (ص ١٤٥)، و تاج العروس (زمع) و (طوع) و (ودع)، و الأصمعيات (ص ١٧٥).
[٤١٥] - الشاهد في ديوانه (ص ٣٤)، و طبقات فحول الشعراء (ص ٥٣٨).