الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٦
من المعنى ما ما أرادوا باحولّ، فأجروه مجراه لا أن أصل فعل افعلّ و لا افعالّ، ألا ترى أنهم قالوا: احتال و اعتاد و اقتاد بالإعلال، و إنما أصحوه حين أرادوا معنى ما يصح، فقالوا: اجتوروا و اعتونوا و احتوشوا، لأنّهم أرادوا معنى تجاوروا و تعاونوا و تحاوشوا، لا أن أحدهما أصل الآخر، فهكذا عور و حول، يدل على هذا أنّهم إذا أرادوا غير هذا المعنى أعلّوه فقالوا: عار زيد عين عمر و سادها، قال: و أما قوله: «فتقلب الواو لحركتها و حركة ما قبلها» فيلزمه أن يقول في أدلو: أدلا لحركتها و حركة ما قبلها، و الوجه لحركتها و انفتاح ما قبلها، قال: و أما قول الأخفش فإنما أراد به أنّ افعلّ و افعالّ الأصل في الاستثقال لا أنّ حول مأخوذ منهما، و هذا قول سيبويه [١]: استغنوا عن حمر باحمرّ كما استغنوا عن فقر بافتقر، و المستغنى به هو الفرع و المستغنى عنه هو الأصل.
قال السخاوي: قوله: إنّ الأخفش أراد أنّهما الأصل في الاستثقال، فأيّ استثقال في عور و حول؟ و ليس ما قال سيبويه في حمر و احمرّ، ثم استدرك خطأه فقال: على أنّ افعلّ و افعالّ مطّردان في الألوان، نحو اسودّ و اسوادّ و ابيضّ و ابياضّ و اصفرّ و اصفارّ، إلا أنّ افعلّ أكثر لأنّه الأصل في الاستثقال، قال: و أمّا حول و عور فمن باب الأدواء لأنّهما عيبان و العيب أشبه بالأدواء، و ليس افعلّ و افعالّ في باب الأدواء كثيرا لا يكادون يقولون في اجربّ: اجرابّ و لا في اجذمّ اجذامّ، و إنما يجرونه مجرى الداء، نحو: جرب و ضلع و شتر، و هو أدخل في الداء منه في الألوان، إلّا أنّهم يشبهون الشيء بالشيء إذا قاربه، فيقولون: حول و عور و جرب كما قالوا: وجع و ضمن و زمن، و لا تكاد تجد في الألوان اسما على فعل، فلا يقولون: حمر و لا صفر و لا شهب، قال:
فهذا يقويّ أنّ العيوب مخالفة للألوان التي لا يمتنع فيها افعلّ و افعالّ، و افعالّ لا يمنع من الألوان لأنه مبنيّ له، و أمّا العيوب فأقرب إلى الأدواء، هكذا ذكر سيبويه.
قال محمد بن بدر: إنما لم يتعجبوا من «ضرب زيد» و أشباهه إلّا بالزيادة كراهة أن يلتبس، ففرّقوا بين التعجب من فعل الفاعل و المفعول، و ذلك أنّهم فرّقوا بين فعل الفاعل و فعل المفعول في غير التعجب، فأرادوا أن يفرّقوا بينهما أيضا في التعجب، فلو قالوا في: «ضرب زيد»: ما أضرب زيدا لالتبس فعل الفاعل بفعل المفعول، فأتوا بالزيادة ليصلوا إلى الفرق بينهما، فإن قال: فقد قالت العرب في «جنّ زيد»: ما أجنّه، و هذا يبطل علتك، قيل له: إن قولهم: ما أجنّه محمول على المعنى، فاستجازوا فيه ما استجازوا فيما حمل عليه، ألا ترى أنّ «جنّ زيد فهو
[١] انظر الكتاب (٤/ ١٤).