الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٨
ضربة، و ذلك هو المطّرد فيها، و أنّ المصدر الذي هي الجنس يختلف إلى أوزان مختلفة، ألا ترى أنّك تقول: قعدت قعودا و جلست جلوسا؟ و لا يجوز غير ذلك، لا تقول: جلست جلوسة و لا قعدت قعودة، و لو كانت الكلالة يراد بها المرة الواحدة لم يجز هنا إلّا الكلّة.
و الوجه الثاني: من غلطك هو جهلك بكون الكلالة جنسا لا واحدا من جنس يراد بها المرة، و ذلك قول الأعشى: [الطويل]
[٥٢٥]- فآليت لا أرثي لها من كلالة
و لا من حفّى حتّى تزور محمّدا
ألا ترى أنّ الكلالة هنا بمعنى الكلال، و ليس يراد بها المرة الواحدة؟
و أمّا قولك: إنّ كلالة مصدر منقلب عن حال فكلام بيّن الاضطراب مبنيّ على غير الصواب، إذ المصدر إذا صار حالا فإنّما يقال: انقلب إليها لا انقلب عنها، لأنه منتقل عن انتصابه على أنّه مفعول مطلق إلى انتصابه على أنّه حال.
المسألة الخامسة: قال أبو نزار: قال سيبويه [١]: لو بنيت من شوى مثل عصفور لقلت: شوويّ، و وجهه مذهبه أنّ الأصل شويوي لا خلاف فيه، فهو يقلب الياء الأولى واوا كما يفعل في رحى، فإنّه رحويّ، ثم يفتح الواو قبلها، و ما قلبها واوا إلّا معتزما كسرها كما في النّسب، فلمّا فعل ذلك انقلب الواو التي بعدها ياء، و هذا لا يليق بصنعة البناء، و لا يجوز أن يتظاهر بهذا من له صنعة تامة و قوة في علم التصريف، و الذي ذكره سيبويه لا يشهد له أصل و لا يناسب الصنعة، و إنما هو تحكّم منه، و الصحيح أن يقال: إن الأصل شويويّ، و يجب أن يمضي القياس في قلب الواوين ياءين لاجتماعهما مع الياءين و سبقهما بالسكون، فصار إلى شيّيّ، فاختزلت حركة الياء الثانية و هي الضمة، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، ثم حذفت الياء الأخرى لأنه بقي ساكنان أيضا، فبقي شيّ، فقلبت الضمة التي على الشين إلى الكسرة فصار إلى شيّ، كما فعلوا في بيض جمع أبيض، و إنّما هو بيض بضم الباء، ثم كسرت الباء المجاورة الياء، فإن قيل: فقد أجحفت بالكلمة بهذه الحذوف قلت:
العرب تمضي القياس و إن أفضى إلى حذف معظم الكلمة، و شواهد ذلك كثيرة.
قال الرادّ عليه: يا هذا لقد خضت بحرا لست من خوّاضه، و ركبت جامحا
[٥٢٥] - الشاهد للأعشى في ديوانه (ص ١٨٥)، و خزانة الأدب (١/ ١٧٧)، و شرح شواهد المغني (٢/ ٥٧٧)، و شرح المفصّل (١٠/ ١٠٠).
[١] انظر الكتاب (٤/ ٥٥٠).