الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١٥
و أجيب بأن قيل له: قد أتعبت الأسماع بلغطك و غلطك، و أزعجت الطباع بخطائك و سقطك يا هذا، إنّ تفسيرك للغيل بأنهم الذين امتلؤوا من شرب اللبن قياسا على الغيل و هو الساعد الممتلئ شيء لم يذهب إليه أحد من أهل اللغة، و إنما ذهبوا إلى أنّ الغيل هو أن ترضع المرأة ولدها و هي حامل، و اسم ذلك اللبن أيضا الغيل، و لم يقل أحد منهم: إنّ الغيل هو الامتلاء من شرب اللبن، و إنما فسّرت لفظة الغيل في بيت الأعشى على غير هذا، و هو: [البسيط]
[٥٣٤]- إنّي لعمر الّذي خطّت مناسمها
تخدي و سيق إليه الباقر الغيل
على وجهين: أحدهما: أنّها الكثيرة من قولهم: غيل أي: كثير، و قيل: الغيل هاهنا السّمان من قولهم: ساعد غيل أي: سمين، و الغيل بمعنى الكثير هو المراد في البيت الأول، لأنّه يصف هذا الصائد بالفقر و كثرة الأولاد، و أنّهم ليس لهم غذاء إلّا السّمار، و هو اللبن الرقيق، و أما قولك: إن غيلا جمع غيال واحد لم ينطق به فمن أفحش غلطاتك و أفضح سقطاتك، بل هو جمع غيل، و الغيل: الماء الكثير و جمعه غيل، و نظيره سقف و سقف، و كذلك الغيل السّمان واحدها غيل أيضا، و إنما غلطك في ذلك أنّ الغالب في فعل أن يكون جمعا لفعال أو فعال، مثل حمار و حمر و قذال و قذل، فقضيت أنّ غيلا جمع غيال، و أمّا تفسيرك السّمار بأنّه اللبن على الإطلاق فغلط يجوز على مثلك من أهل التحريف، و إنما صوابه أن تقول: السّمار: اللبن الرقيق أو اللبن المخلوط بالماء لأن تسمير اللبن هو خلطه بالماء، فإن أكثر فيه الماء سمّوه المضيّح، و تفسير البيت على وجه الصواب أنّه يصف حمار وحش أو ثور وحش آنس طملا أي: صائدا، و الطّمل: الذئب شبهه به، يقول: هذا الثور الوحشي آنس صائدا له عائلة و أطفال ليس لهم غذاء إلّا اللبن المخلوط بالماء، فهو لذلك أشدّ الناس اجتهادا في أن ينال صيد هذا الثور الوحشي، ليشبع به عياله و أولاده.
المسألة التاسعة: قال أبو نزار: و سئلت في بغداد عن قول الشاعر [١]: [المديد]
غير مأسوف على زمن
ينقضي بالهمّ و الحزن
فلم يعرف وجه رفع غير، و أوّل من أخطأ فيه شيخنا الفصيحيّ فعرفته ذلك، و الذي ثبت الرأي عليه أنّ المعنى لا يؤسف على زمن، فغير مرفوع بالابتداء، و قد تمّ
[٥٣٤] - الشاهد للأعشى في ديوانه (ص ١١٣)، و لسان العرب (غيل)، و تهذيب اللغة (٣/ ٤١٦)، و تاج العروس (غيل)، و كتاب الجيم (٣/ ١٤).
[١] مرّ الشاهد رقم (٢٧٢) .