الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٢٦
بجنس الملحفين، و ذمّهم على الإلحاف لأنّ النقيض للوصف الممدوح مذموم، و المثال المبحوث فيه يتخرج على هذه القاعدة فيما زعموا.
فإنّ فضلا مقيد للدرهم، فلو قدّر النفي مسلّطا على القيد اقتضى مفهومه خلاف المراد، و هو أنّه يملك الدرهم و لكنّه لا يملك الدينار، و لمّا امتنع هذا تعيّن الحمل على الوجه المرجوح، و هو تسليط النفي على المقيّد و هو الدرهم، فينتفي الدينار لأنّ الذي لا يملك الأقلّ لا يملك الأكثر، فإنّ المراد بالدرهم ليس الدرهم العرفيّ، لأنّه يجوز أن يملك الدينار من لا يملكه، بل المراد ما يساوي من النقود درهما، فهذا توجيه التخريج.
و أما الاعتراض عليه فمن جهة أنّ القيد ليس نفس الدينار حتى يصير المعنى:
لا يملك درهما فكيف يملك دينارا؟ و إنما القيد قوله: فضلا عن دينار، فيصير المعنى لا يملك درهما فكيف يملك زائدا عن دينار، و الكلام لم يسق لنفي ملك الزائد عن الدينار، بل لنفي ملك الدينار نفسه، ثم يلزم من ذلك انتفاء ملك ما زاد عليه، و الذي يظهر لي في توجيه هذا الكلام أن يقال: إنه في الأصل جملتان مستقلّتان، و لكنّ الجملة الثانية دخلها حذف كثير و تغيير حصل الإشكال بسببه، و توجيه ذلك أن يكون هذا الكلام في اللفظ أو في التقدير جوابا لمستخبر قال:
أيملك فلان دينارا؟ أو ردّا على مخبر قال: فلان يملك دينارا، فقيل في الجواب:
فلان لا يملك درهما، ثم استأنف كلاما آخر، و لك في تقديره توجيهان:
الأول: أو يقال: أخبرتك بهذا زيادة عن الإخبار عن دينار استفهمت عنه أو زيادة عن دينار، و أخبرت بملكك له، ثم حذفت جملة «أخبرتك بهذا» و بقي معمولها و هو «فضلا» كما قالوا: حينئذ الآن، بتقدير: كان ذلك حينئذ و اسمع الآن، فحذفوا الجملتين و أبقوا من كل منهما معمولها، ثم حذف مجرور عن و جار دينار و أدخلت عن الأولى الدينار، كما قالوا: «ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل من عين زيد»، و الأصل: منه في عين زيد، ثم حذف مجرور من و هو الضمير و جارّ العين و هو في و دخلت من على العين.
الثاني: أن يقدر: فضلا انتفاء الدرهم عن فلان عن انتفاء الدينار عنه، و معنى ذلك أن تكون حال هذا المذكور في الفقر معروفة عند الناس، و الفقير إنما ينفى عنه في العادة ملك الأشياء الحقيرة لا ملك الأموال الكثيرة، فوقوع نفي ملك الدرهم عنه في الوجود فاضل عن وقوع نفي ملك الدينار عنه أو أكثر منه، و «فضلا» على التقدير الأول حال و على الثاني مصدر، و هما الوجهان اللذان ذكرهما الفارسي، لكن توجيه