الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٣٣
الكلام في (هلمّ جرّا)
و أمّا قوله: هلمّ جرّا، فكلام مستعمل في العرف كثيرا، و ذكره الجوهري في صحاحه، فقال في فصل الجيم باب الراء: «و تقول: كان ذلك عام كذا و هلمّ جرّا إلى اليوم»، هذا جميع ما ذكره، و ذكر الصاغاني في عبابه ما ذكره صاحب الصحاح و لم يزد عليه، و ذكر أبو بكر بن الأنباري «هلمّ جرّا» في كتاب الزاهر، و بسط القول فيه و قال: «معناه: سيروا على هينتكم، أي: تثبّتوا في سيركم، و لا تجهدوا أنفسكم» قال: «و هو مأخوذ من الجرّ و هو أن تترك الإبل و الغنم ترعى في السّير، قال الراجز:
[٥٤٨]- لطالما جررتكنّ جرّا
حتّى نوى الأعجف و استمرّا
فاليوم لا آلو الرّكاب شبرا
قلت: الأعجف: الهزيل، و نوى: صار له نيّ بفتح النون و تشديد الياء و هو الشحم، و أمّا النّييء بكسر النون و بالهمز بعد الياء ساكنة فهو اللحم الذي لم ينضج، و استمرّ كأنه استفعل من المرّة بكسر الميم، و هو القوّة، و منه قوله: ذُو مِرَّةٍ [النجم: ٦]، قال: و في انتصاب «جرّا» ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون مصدرا وضع موضع الحال، و التقدير: هلمّ جارّين، متثبتين.
الثاني: أن يكون على المصدر لأنّ في «هلمّ» معنى جرّوا، فكأنه قيل: جرّوا جرّا، و هذا على قياس قولك: جاء زيد مشيا، فإنّ البصريين يقولون: تقديره: ماشيا، و الكوفيون يقولون: المعنى: مشى مشيا، و قال بعض النحويين: «جرّا» نصب على التفسير انتهى كلام أبي بكر ملخصا.
و قال أبو حيان في الارتشاف: «و هلمّ جرّا معناه: تعال على هينتك متثبتا، و انتصاب جرّا على أنه مصدر في موضع الحال، أي: جارّين، قاله البصريون، و قال الكوفيون: مصدر لأنّ معنى هلمّ جرّوا، و قيل: انتصب على التمييز، و أوّل من قاله عابد بن يزيد، قال: [الوافر]
[٥٤٩]- فإن جاوزت مقفرة رمت بي
إلى أخرى كتلك هلمّ جرّا
و قال آخر من تغلب: [الرجز]
[٥٥٠]- المطعمين لدى الشّتا
ء سدائفا مل نيب غرّا
في الجاهليّة كان سؤ
دد وائل فهلمّ جرّا
[٥٤٨] - الرجز بلا نسبة في مجمع الأمثال (٢/ ٤٠٣)، و اللسان (جرر)، و تاج العروس (جرر).
[٥٤٩] - البيت لعائذ بن يزيد اليشكري في مجمع الأمثال (٢/ ٤٠٣).
[٥٥٠] - الرجز للمؤرج التغلبي في همع الهوامع (٢/ ٢٠٠)، و الدرر (٢/ ٢٣٢).