الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥١
و أمّا قوله: «رابعا: إنه من باب حذف الموصوف» إلى آخره، و ما ذكر عن سيبويه في طامث و حائض فباللّه أحلف إنّ هذا التقدير و التقرير لا يرتضيه فصيح بدويّ و لا بليغ حضري، و أيّ حاجة إلى أن يضمر في الآية شيء فيقال: شيء قريب؟
و لا يكفي في تقدير مباني كلام اللّه عز و جل و إيضاح معانيه مجرد الجواز النحوي و الاحتمال الإعرابي، بل لا بدّ من رعاية الفصاحة القصوى و البلاغة العليا، و أيّة فصاحة في أن يقول القائل: شيء قريب؟ و أيّ لطف في أن يقال: المرأة شيء حائض، مع أنّ الشيء أعمّ المعلومات؟ و لذلك يشمل الواجب و الممكن حتى بعض المعدومات عند بعض أهل العلم، و من الذي يرضى لنفسه بمثل هذا الكلام في المستهجن؟
و هلّا قيل: الهاء و التاء إنما يحتاج إليهما للفرقان بين المذكر و المؤنث في صفة يمكن اشتراكهما فيها إماطة للالتباس، أمّا الصفة المختصّة بالنساء كالحيض فلا حاجة فيها إلى العلامة المميزة، و الناس لفرط جمودهم على ما ألفوه بظنون أنّ ما قاله سيبويه هو الحق الساطع و أنّ إلى قوله المنتهى في معرفة كلام الرب، و لا خفاء في أنّه الجواد السابق في هذا المضمار فأمّا أن يعتقد أنّه أحاط بجميع كلام العرب و أنّه لا حقّ إلّا ما قاله فليس الأمر كذلك، فما من أحد إلّا و يقبل قوله و يردّ منه، و لو لم يكن لسيبويه إلا قوله في باب الصفة المشبهة: «مررت برجل حسن وجهه» بإضافة حسن إلى الوجه و إضافة الوجه إلى الضمير العائد على الرجل، فقد خالفه جميع البصريين و الكوفيين في ذلك، لأنه قد أضاف الشيء إلى نفسه، فكيف يعتقد مع هذا صحة قوله في كلّ شيء؟.
و أمّا قوله: خامسا يكتسب المضاف حكم المضاف إليه لا سيّما التأنيث فله نظائر صحيحة فصيحة يوثق بها لتقدّم قائليها و شهرتهم، قال النابغة: [البسيط]
[٤٥٩]- حتّى استغثن بأهل الملح ضاحية
يركضن قد قلقت عقد الأطانيب
و قال الأعشى [١]: [الطويل]
[و تشرق بالقول الذي قد أذعته]
كما شرقت صدر القناة من الدّم
و قال لبيد: [الكامل]
[٤٦٠]- فمضى و قدّمها و كانت عادة
منه إذا هي عرّدت إقدامها
[٤٥٩] - الشاهد لسلامة بن جندل في ملحق ديوانه (ص ٢٣٣)، و لسان العرب (طنب)، و تهذيب اللغة (١٣/ ٣٦٨)، و تاج العروس (طنب)، و للنابغة الذبياني في ديوانه (ص ٥٠)، و أساس البلاغة (طنب)، و جمهرة اللغة (ص ٣٦١).
[١] مرّ الشاهد رقم (١٣٣) .
[٤٦٠] - الشاهد للبيد في ديوانه (ص ٣٠٦)، و الخصائص (٢/ ٤١٥)، و لسان العرب (عرد)، و (قدم)، و كتاب العين (١/ ٣٢)، و بلا نسبة في الخصائص (١/ ٧٠).