الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٤
المسك، قالوا: و لو كان في ليس ضمير الأمر و الشأن لكانت الجملة التي في موضع الخبر قائمة بنفسها و نحن لا نقول: الطيب إلّا المسك، و ليس الأمر كما ظنّوا، لأنّ الجملة إذا كانت في موضع خبر اسم قد وقع عليه حرف النفي فقد لحقها النفي في المعنى، ألا ترى أنّك إذا قلت: ما زيد أبوه قائم، فقد نفيت قيام أبيه، كما لو قلت:
ما زيد قائم، فعلى هذا يجوز أن تقول: ما زيد أبوه إلّا قائم، كأنّك قلت: ما أبو زيد قائم»، هذا كلام السيرافي رحمه اللّه، فأمّا توجيهك المسألة على ما صحّ في زعمك، و هو أن تجعل الطّيب اسم ليس و المسك مبتدأ و خبره محذوف تقديره:
ليس على الطيب إلا المسك أفخره أو على أن تكون «إلّا» بمعنى غير، و التقدير:
ليس الطيب غير المسك مفضلا أو مرغوبا فيه، فشيء لم يسبقك إليه أحد، و لم يخطر مثله قبلك ببال بشر، و هو تقديرك الاسم مبتدأ و حذف خبره، و هو أفخره مع كون اللفظ لا يقتضي هذا الخبر و لا يدل عليه، و تقديرك في الوجه الآخر إلّا بمعنى غير تشير بها إلى أنّها و ما بعدها صفة للطّيب على حدّ قوله عزّ و جلّ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ [الأنبياء: ٢٢] أي: غير اللّه، و جعلك الخبر محذوفا و هو مفضلا أو مرغوبا فيه، فيكون المعنى عندك: أنّ الطّيب لا يرغب الناس فيه، و إنّما يرغبون في المسك، لأنّ هذا تقدير قولك: ليس الطيب غير المسك مرغوبا فيه، و على أنّ سيبويه ذكر في حكايتهم ما أوجب التوقف عمّا أجازه من أنّ الوجه أن يكون في ليس إضمار و لا يكون حذفا، فقال بعد أن قدم الوجه في قوله [١]:
[البسيط]
... و ليس منها شفاء الدّاء مبذول
و قولهم: ليس خلق اللّه أشعر منه: إلّا أنّهم زعموا أنّ بعضهم قال: ليس الطّيب إلا المسك، و ما كان الطيب إلا المسك، و وجه توقفه عن أن يحمل ليس في لغتهم على ضمير الشأن و القصة أنّه وجدهم يرفعون المسك في (ليس) و ينصبونه في (كان)، فيقولون: ما كان الطّيب إلّا المسك، فلو كان في (ليس) إضمار لوجب أن يكون في كان إضمار أيضا، فكونهم يختصون الرفع بليس دون كان حتى لا يوجد منهم من يرفع المسك في كان و لا ينصب في ليس دليل على أنّ ليس هاهنا حرف لا عمل لها، و بهذا يبطل قولك: إنه لو كان على إضمار أفخره في الوجه الأول أو إضمار مرغوبا فيه أو مفضلا في الوجه الثاني لوجب مثل ذلك في كان، فيقال: ما كان الطيب إلا المسك، على تقدير: إلا المسك أفخره، أو على تقدير: غير المسك مفضلا أو
[١] مرّ الشاهد رقم (٣٩٤) .