الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٤٠
و «سبحان اللّه» الخبر، و هو مراده إذ لا تقديم فيه، و إذا لم يكن تقديم فإنما يجيء الحصر في المعرّف بلام الجنس للاستغراق لزوما عقليا، كقولنا: العالم زيد، إذا جعلنا العالم مبتدأ، و اليمين على المدعى عليه، فيفيد أن لا يمين على غيره بسبب جعل الكلّ عليه، لأنّه ليس وراء الكلّ شيء، و كأنه ذهب عليه أنّ المذكور في الحديث الكلمتان الخفيفتان الحبيبتان سبحان اللّه إلخ، و ليس مثله بعجيب على الإنسان كما ذهب على الذاهب بجوابي ليرى غلطه أني جعلت كون الفائدة في جعل «سبحان اللّه» مبتدأ باعتبار وصف الخبر لا نفسه وجها لردّ ابتدائية سبحان اللّه إلخ ..، فأورد عليه لزوم عدم صحة «زيد رجل صالح» و أنا لست من هذا، و إنّما جعلته كما هو صريح في كتابتي وجه مرجوحيته و أولوية كونه خبرا فليرجع إلى نظر الكتابة، غير أنّ النفس إذا ملئت بقصد الرد يقع لها نحو هذا السهو في الحسّ، و إذا كان المذكور في الحديث «كلمتان» بلا تعريف جنس استغراقي لم يكن حصر، بل المراد الإخبار بسبحان اللّه و بحمده .. إلخ عن الكلمتين الموصوفتين كما ارتضاه الكاتبون و جعله العبد الضعيف أولى الوجهين، أو عن سبحان اللّه و بحمده بأنهما حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان، و المعنى أنّ اللفظ الذي عهدتموه و تقولونه و هو سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم له من المقدار عند اللّه أنّهما كلمتان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، و لا يخفى أنّه لا يراد مطلق ثقل ما و محبّة ما، لأن ذلك معلوم للمؤمنين غير مجهول لهم في كلّ ذكر للّه هذا و غيره أنه كذلك، فلو أريد ذلك لم تكن الجملة الخبرية كلها مجدّدة فائدة عند السامعين، سواء جعلت «سبحان اللّه» مبتدأ أو خبرا، بل هي حينئذ بمنزلة «النار حارّة» و نحوه، و مثله يجب صون كلام بعض البلغاء عنه، فكيف بالنبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم؟ سواء جعلت تجدّد الفائدة شرطا لكون الجملة كلاما أو لم تجعل، فإن الذي لا يشرطه لا يقول: إنه قد حصل فائدة تامة، إلّا أنّه لا يشرطها في مسمى الكلام اصطلاحا، و حينئذ وجب كون المراد زيادة ثقل و زيادة محبة ممّا لا يلزم كلّ مؤمن يعلم أنّ للذكر ثوابا، و إذا ظهر أنّ كلّا من «ثقيلتان» و حبيبتان و سبحان اللّه و بحمده، يصلح محطّ فائدة يكون بها خبرا، و يزداد جعل «سبحان اللّه» مبتدأ قدّم خبره بنكتة بلاغية لأجلها قدّم الخبر، و هي التشويق إلى المبتدأ، و كلّما طال الخبر حسن هذا النوع، لأنّه كلّما طال بذكر الأوصاف ازداد الشوق إلى المحدّث عنه بها، كما هو في الحديث الكريم حيث قال: «كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن» فإنّ النفس كثر تشوّقها بذلك إلى سماع المحدّث عنه بها، فلم يجئ «سبحان اللّه و بحمده سبحان اللّه العظيم» إلّا و النفس في غاية الشوق إلى سماعه، فهو مثل قوله: [البسيط]