الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١١٨
من تأليف عبد القاهر الجرجاني قيل: إنّها لا تبلغ أن تكون في عشر أوراق، و قيل: إنّه لا يملك من كتب النحو و اللغة ما مقداره عشر أوراق، و هو مع هذا يردّ بقحته على الخليل و سيبويه، إنها لوصمة اتّسم بها زماننا هذا، لا يبيد عارها و لا ينقضي شنارها، و إنما طلب بتلفيق هذه الأهواس أن تسطر فتوى، فيثبت خطه فيها مع خط غيره، فيقال: أجاب أبو نزار بكذا و أجاب غيره بكذا، فقد أدرك لعمر اللّه مطلوبه، و بلغ مقصوده، و لو لا إيجاب حق من أوجبت حقه و التزمت وفاقه و احترمت خطابه لصنت خطي و لفظي عن مجاورة خطه و لفظه.
قال ابن الشجري في المجلس الحادي و الستين في (أماليه) [١]:
ذكر أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني صاحب كتاب (الأغاني) حديثا رفعه إلى أبي ظبيان الحماني قال: اجتمعت جماعة من الحي على شراب فتغنّى أحدهم بقول حسان: [الكامل]
[٤٢٦]- إنّ الّتي ناولتني فرددتها
قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
كلتاهما حلب العصير فعاطني
بزجاجة أرخاهما للمفصل
فقال رجل منهم: كيف ذكر واحدة بقوله: إنّ التي ناولتني فرددتها، ثم قال:
كلتاهما حلب العصير، فجعلها اثنتين؟ قال أبو ظبيان: فلم يقل أحد من الجماعة جوابا، فحلف رجل منهم بالطلاق ثلاثا إن بات و لم يسأل القاضي عبيد اللّه بن الحسين عن تفسير هذا الشعر، قال: فسقط في أيدينا ليمينه، ثم أجمعنا على قصد عبيد اللّه، فحدثني بعض أصحابنا السعديين قال: فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء فصادفناه في مسجده يصلي بين العشاءين، فلمّا سمع حسّنا أوجز في صلاته، ثم أقبل علينا فقال: ما حاجتكم؟ فبدر رجل منا فقال: نحن- أعزّ اللّه القاضي- قوم نزعنا إليك من طريق البصرة في حاجة مهمة فيها بعض الشيء، فإن أذنت لنا قلنا، فقال: قولوا، فذكر يمين الرجل و الشعر، فقال: أما قوله: إن التيّ التي ناولتني فإنه يعني الخمر، و قوله: قتلت أراد: مزجت بالماء، و قوله: كلتاهما حلب العصير يعني الخمر و مزاجها، فالخمر عصير العنب، و الماء عصير السحاب، قال اللّه تعالى:
وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً [النبأ: ١٤]، انصرفوا إذا شئتم.
[١] انظر أمالي ابن الشجري (٢/ ١٥٩).
[٤٢٦] - الشاهد هو البيت الأول و هو لحسان في ديوانه (ص ١٢٤)، و اللسان (قتل)، و أساس البلاغة (قتل)، و تاج العروس (قتل)، و بلا نسبة في جمهرة اللغة (ص ٤٠٧)، و مقاييس اللغة (٥/ ٧٥)، و المخصّص (١١/ ٨٨).