الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٨٩
(إدا) لأن العرب لم تبن منه فعلا» الذي عليه عامة أهل العلم، لأنّ الإدّ وصف غير جار على فعل، و إنما هو موضوع في كلام العرب للأمر العظيم، فحكمه حكم الأسماء التي جاءت غير جارية على فعل، و إذا كان هكذا لم يجز أن يبنى منه فعل من حيث إنّ الأسماء ليست مأخوذة من الأفعال و إنما الأفعال تصدر عنها، و لو كانت الأسماء كلها مشتقة لارتفع أن يكون في الكلام اسم البتة، و الدليل على هذا أنّه ليس أحد من العرب و لا من العلماء يجيز أن يأمر من صاع و فرس و لا من جعفر و حبرج [١] و ضفدع، و لا من الأوصاف التي ليست بجارية على فعل، نحو خود و بكر و لصّ و سلهب و عرطل و جعشم [٢] لأنّ هذه الأسماء غير جارية على فعلها، يدل على أنّ من الأوصاف ما لا يجوز أن يبنى له فعل متصرف في الأمر و الدعاء و الخبر و غير ذلك الأسماء المبنية للمبالغة، نحو: أكال و أكول، لا يجوز أن يصرّف منها فعل لأنّ هذه الأبنية و إن كانت تعمل عمل الأفعال فهي غير جارية على الفعل، و إذا كان ما يعمل عمل الفعل لا يجوز أن يصرّف له فعل فما لا يعمل عمل الفعل أولى أن لا يصرّف له فعل، هذا قول أهل التحصيل من أهل صناعة النحو، و لا يقال: أدّ يؤدّ فهو إدّ، إنما يقال: أدّ يؤدّ أدّا فهو آدّ، و ليس الإدّ هو الآدّ، لأن الآدّ جار على الفعل، و الإدّ وصف غير جار على فعل، و قول أبي جعفر: «قد صرّفه النحويون» تقوّل منه، و الذين يقولون: أدّ يؤدّ فهو آدّ إذا ألقاه في الإدّ فهو بمنزلة لحمه يلحمه فهو لاحم إذا أطعمه اللحم، فلو قيل لنا: كيف تأمرون من اللحم لقلنا: لا يجوز، لأنّ اللحم اسم غير مشتق من فعل، و لا هو وصف جار على فعل، و لا تكلّم من لفظه بفعل، فيكون هو اسما لذلك الفعل، و كذلك شحمه و زبده إذا أطعمه الشحم و الزّبد، و قولك: أدّه بمنزلة قولك: زبده، و قولك: يؤدّه بمنزلة قولك: يزبده، و قولك آد كقولك: زابد، و الإدّ الذي هو الأمر العظيم بمنزلة الزّبد الذي هو اللبن، فكما لا يجوز أن تأمر من الزّبد كذلك لا يجوز أن تأمر من الإدّ، و لا تصرّف له فعلا يكون هو اسما له، هذا هو الذي عليه أهل العلم باللغة، و معنى قولهم: كيف يؤمر من الأسماء إنما هو مجاز، لأنّ الأسماء لا يؤمر بها و إنّما يؤمر بالفعل إذا كان غير واقع، فإذا قال قائل: كيف يؤمر من ضارب أو من طويل فإنما معناه: كيف يؤمر من الفعل الذي هو جار عليه أو اسم له، فتقول: اضرب و طل، لأنّهم يقولون: ضرب و طال، فإن قيل لنا: كيف يؤمر من بكر و خود؟ قلنا: لا يجوز لأنّه ليس اسما للفعل و لا جار على فعل، فسبيله الأسماء
[١] الحبرج: ذكر الحبارى.
[٢] الخود: الفتاة الحسنة الخلق، و السلهب: الطويل، و العرطل: الفاحش الطويل، و الجعشم: الصغير البدن القليل اللحم.