الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٣٦
ساكنة و نظيره قولهم في بني الحارث: بلحارث، و هو شاذ، و الذي في البيت أشذّ منه لأنّ شرط هذا الحذف أن لا تكون اللام مدغمة فيما بعدها، فلا يقال في بني النجار و بني النّضير: بنّجّار و بنّضير، و علّل ابن جني ذلك بكراهة توالي الإعلالين، فإنّ اللام قد أعلّت بإدغامها فيما بعدها، أعلّت النون التي قبلها بالحذف توالى الإعلالان، و قد يردّ بأنّ ذلك إنما يتجنّب في الكلمة الواحدة، و يجاب بأنّ كلّا من المتضايفين و الجارّ و المجرور كالكلمة الواحدة فأعطيا حكمها، و قوله: غرّا حال من النّيب، و هو جمع غرّاء كحمراء و حمر و سوداء و سود، و في «الجاهلية» خبر كان إن قدّرت ناقصة أو متعلق بها إن قدّرت تامة بمعنى وجد، و قوله: فهلمّ جرّا متعلق المعنى بقوله في الجاهلية، أي: كان سؤدد وائل في الجاهلية فما بعدها.
و إذ قد أتينا على حكاية كلام الناس و شرحه و بيان ما ذكر فيه من نقد فلنذكر ما ظهر لنا في توجيه هذا الكلام بتقدير كونه عربيا، فنقول: هلمّ هذه هي القاصرة التي بمعنى ائت و تعال، إلّا أنّ فيها تجويزين:
الأول: أنّه ليس المراد بالإتيان هنا المجيء الحسّي، بل الاستمرار على الشيء و المداومة عليه، كما تقول: امش على هذا الأمر، و سر على هذا المنوال و منه قوله تعالى: وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ [ص: ٦]، المراد بالانطلاق ليس الذهاب الحسيّ بل انطلاق الألسنة بالكلام، و لهذا أعربوا أن تفسيرية و هي إنما تأتي بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه كقوله تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧]، و المراد بالمشي ليس بالأقدام، بل الاستمرار و الدوام، أي: دوموا على عبادة أصنامكم و احبسوا أنفسكم على ذلك.
الثاني: أنه ليس المراد الطلب حقيقة، و إنما المراد الخبر، و عبّر عنه بصيغة الطلب كما في قوله تعالى: وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ [العنكبوت: ١٢]، فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا [مريم: ٧٥]، و «جرّا» مصدر جرّه يجرّه إذا سحبه، و لكن ليس المراد الجرّ الحسّيّ، بل المراد التعميم كما استعمل السحب بهذا المعنى، ألا ترى أنّه يقال: هذا الحكم منسحب على كذا أي شامل له؟ فإذا قيل: كان ذلك عام كذا و هلمّ جرّا فكأنّه قيل: و استمرّ ذلك في بقية الأعوام استمرارا، فهو مصدر، و استمر مستمرا فهو حال مؤكدة، و ذلك ماش في جميع الصور، و هذا هو الذي يفهمه الناس من هذا الكلام، و بهذا التأويل ارتفع إشكال العطف، فإنّ (هلمّ) حينئذ خبر، و إشكال التزام إفراد الضمير، إذ فاعل هلمّ هذه مفرد أبدا، كما تقول: و استمرّ ذلك أو و استمرّ ما ذكرته.