الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١١٦
العرب كرهوا أن يقولوا: يا الرجل و ما أشبه ذلك، فيولوا حرف النداء الألف و اللام، فأدخلوا أيّ فجعلوها وصلة إلى نداء المعارف بالألف و اللام، و ألزموها حرف التنبيه عوضا لها ممّا منعته من الإضافة، هذا قول النحويين، فمن تكلّف غيره بغير دليل فهو مبطل، فلا حاجة بنا إلى أن نقدّر أنّ الأصل: يا أيّ يا يا رجل، فإنّه مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجّه السمع و ينكره الطبع.
و أمّا قوله في «أكل و يأمل»: إنّهما لا يجوزان عنده لأنّه لم يسمع في الماضي منهما أمل خفيف الميم، فليت شعري ما الذي سمع من اللغة و وعاه حتى أنكر أن يفوته هذا الحرف؟ و إنما ينكر مثل هذا من أنعم النظر في كتب اللغة كلها، و وقف على تركيب أم ل في كتاب العين للخليل بن أحمد، و كتاب الجمهرة لأبي بكر بن دريد و المجمل لأبي الحسين بن فارس و ديوان الأدب لأبي إبراهيم الفارابي و كتاب الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري النيسابوري، و غير ذلك من كتب اللغة، فإذا وقف على أمّهات كتب هذا العلم التي استوعب كل كتاب منها اللغة أو معظمها فرأى أنّ هذا الحرف قد فات أولئك الأعيان ثم سمع قول كعب بن زهير [١]:
[البسيط]
و العفو عند رسول اللّه مأمول
سلّم لكعب و أذعن له صاغرا قميئا، فكيف يقول من لم يتولّج سمعه عشرة أسطر من هذه الكتب التي ذكرتها: «لم» أسمع «أمل» و لا أسلم أن يقال: مأمول»؟.
و أمّا قوله: إنه لا يجوز «يأمل» و لا مأمول إلّا أن يسمعني الثقة «أمل» فنقول من لم يعلم بأنّهم قالوا: فقير و لم يقولوا فقر، و لم يأت فعله إلّا بالزيادة، أفتراه ينكر أن يقال: فقير، لأنّ الثقة لم يسمعه فقر؟ فلعله يجحد أن يكونوا قد نطقوا بفقير، و قد ورد به القرآن في قوله تعالى: إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:
٤٢]، و هل إنكار فقير إلّا كإنكار مأمول؟ بل إنكار فقير عنده أوجب، لأنّهم لم يقولوا في ماضيه إلّا افتقر، و مأمول قد نطقوا بماضيه بغير زيادة.
و أمّا «سوى» فإنّ العرب استعملتها استثناء، و هي في ذلك منصوبة على الظرف بدلالة أنّ النصب يظهر منها إذا مدّت، فإذا قلت: «أتاني القوم سواك» فكأنك قلت: أتاني القوم مكانك، و كذلك: «أخذت سواك رجلا»، أي: مكانك، و استدلّ الأخفش على أنّها ظرف بوصلهم الاسم الناقص بها في نحو: «أتاني الذي سواك»،
[١] مرّ الشاهد رقم (١٥٠) .