الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٥٠
و أما الاعتراض على القول الثاني فهو أنّا لا نسلم تأويل المذكر بمؤنث يوافقه أو يلزمه، و لو جاز ذلك لجاز أن يقال: رأيت زيدا فكلّمتني و أكرمتني، و رأيت هندا فكلّمني و أكرمني بناء على أنّ زيدا نفس و جثة و هندا شخص و شبح.
و أمّا قوله: «كفّا مخضّبا» فالكفّ قد يذكر كما في هذا البيت لفقدان علامات التأنيث، و قد يؤنث كما في أكثر موارده، و هذا أولى من التأويل كيلا تلزم المفسدة التي ذكرناها، و حمل الرحمة على الإحسان بعيد، لأنّ اللفظ إذا دلّ على معنى فإمّا أن يدلّ عليه على وجه الحقيقة أو المجاز، و القسمان منتفيان هنا لأن حضور المعنى بالبال لازم عند إطلاق اللفظ في كلام القسمين لجواز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر، لأنّ الرحمة قد توجد وافرة فيمن لا يتمكن من الإحسان أصلا، كالوالدة الفقيرة بالنسبة إلى ولدها، و قد يوجد الإحسان ممّن لا رحمة في طباعه، كالملك القاسي فإنّه قد يحسن إلى بعض أعدائه لمصلحة نفسه أو ملكه و لا تلقى عنده رحمة، و إذا تبيّن جواز انفكاك كل واحد عن الآخر فلا يجوز إطلاق أحدهما لى الآخر، و لا انفكاك بين الكف و بين كونها عضوا، لأنّ كل كفّ عضو و إن لم يكن كل عضو كفّا، فبينهما ملازمة الخاص و العام و الملازمة مصححة للمجاز، و لا ملازمة بين الرحمة و الإحسان كما بيّنا، فيتعذر تأويل الرحمة بالإحسان، و قد سلّمنا أنّ معنى القرب في البرّ أظهر منه في الرحمة، و لكن هذا جواز إطلاق اسم أحدهما على الآخر، لأنّ جواز الإطلاق منحصر في الحقيقة و المجاز، و كلاهما معدوم فيما نحن فيه.
و أمّا قوله ثالثا: «إنه من باب حذف المضاف» فذلك إنّما يصحّ حيث يحسن و يتعيّن، كقوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢]، فإنّه يتعيّن إضمار أهلها، و هاهنا لا يصح إضمار المكان و لا يحسن و لا يتعيّن، أمّا أنّه لا يصحّ فلأنّ الرحمة صفة اللّه تعالى، و الموصوف لا مكان له، لأنّ البراهين القاطعة دلّت على أنّ ربّنا لا يحلّ مكانا و إلّا لكان جسما أو مفتقرا إلى جسم، فكذلك صفته لا يكون لها مكان، انتهى.
قال الشيخ علاء الدين التركماني: هذا غلط و غفلة لأنّ الرحمة من صفات الفعل لا من صفات الذات حتى يستحيل فيها المكان، انتهى.
و أمّا أنّه لا يحسن و لا يتعيّن فلأنّهما فرعا الصحة، و بطلان الأصل يقتضي بطلان الفرع، و أمّا الظواهر المشعرة بإثبات المكان كقوله: «و ارتفاع مكاني» [١] فيجب تأويلها جزما، و إلّا لبطل حكم العقل، و يلزم من بطلانه بطلان الشرع، لأنّ صحّته لم تثبت إلّا بالعقل، نعم لو أضمر أثر رحمة اللّه لكان قريبا.
[١] انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٥٠٠) رقم (١٠٤) .