الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٣
فلو عرف القوم بعض هذه الاستشهادات لما وقعوا في ذلك.
و قال العلامة جمال الدين بن مالك: فعيل و فعول مشتبهان في الوزن و الدّلالة على المبالغة و الوقوع بمعنى فاعل و بمعنى مفعول، إلّا أنّ فعيلا أخفّ من فعول، فلذلك فاقه بأشياء منها:
كثرة الاستغناء به عن فاعل في المضاعف، كجليل و خفيف و صحيح و عزيز و ذليل، و إنّما حقّ هذه الصفات أن تكون على زنة فاعل لأنّها من فعل يفعل، فاستغني فيها بفعيل و لا حظّ لفعول في ذلك.
و منها اطّراد بنائه من فعل كشريف و ظريف و كريم، و ليس لفعول فعل يطّرد بناؤه منه. و منها كثرة مجيئه في صفات اللّه تعالى و أسمائه، كسميع و بصير و عليّ و غنيّ و رقيب، و لم يجئ منها فعول إلّا رؤوف و ودود و عفوّ و غفور و شكور، و إذا ثبت أنه فائق لفعول في الاستعمال فلا يليق أن يكون له تبعا، بل الأولى أن يكون الأمر بالعكس، أو ينفرد كلّ منهما بحكم هو به أولى، و هذا هو الواقع، فإنّهم خصّوا فعولا المفهم معنى فاعل بأن لا تلحقه التاء الفارقة بين المذكر و المؤنّث و أن يشتركا فيه، فيقال: رجل صبور و امرأة صبور، و كذا شكور و نحوهما إلّا ما شذّ من عدوّ و عدوّة، فإن قصد بالتاء المبالغة لحقت المذكر و المؤنث، فقيل: رجل ملولة و فروقة، و امرأة ملولة و فروقة، و لا يقدم على هذا الوزن إلا بنقل، و إن لم يقصد بهذا الوزن معنى فاعل لحقته التاء أيضا، كحلوبة و ركوبة و رغوثة، و ليس في شيء من هذا إلّا للنقل، فلمّا كان لفعيل على فعول من المزية ما ذرته استحقّ أن يخصّ بأحوط الاستعمالين، و هو التمييز بين المذكر و المؤنث، كجميل و جميلة و صبيح و صبيحة و وضيء و وضيئة و نحوه، و إن كان فعيل بمعنى مفعول و صحب الموصوف استوى فيه المذكر و المؤنث، كرجل قتيل و امرأة قتيل، و إن لم يصحب الموصوف و قصد تأنيثه أنث نحو: رأيت قتيلة بني فلان، هذا هو المعروف، و ما ورد بخلاف ذلك عدّ نادرا، أو تلطّف في توجيهه بما يلحقه بالنظائر و يبعده عن الشذوذ، فمن ذلك قوله تعالى:
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، و منه ستة أقوال:
أحدها: أنّ فعيلا و إن كان بمعنى فاعل فقد جرى مجرى فعيل الذي بمعنى مفعول في عدم لحاق التاء، كما جرى هو مجراه في لحاق التاء حين قالوا: خصلة حميدة و فعلة ذميمة بمعنى محمودة و مذمومة، فحمل على جميلة و قبيحة في لحاق التاء، و كذلك قريب في الآية الكريمة حمل على «عين كحيل» و «كف خضيب» و أشباههما في الخلو من التاء، و نظير ذلك: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨].