الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٩٧
لا يعمل في ظرفين مختلفين أحدهما: حال، و الآخر: ماض، فذلك محال، و لكن المعنى: و لن ينفعكم اليوم بعد إذ ظلمتم و كذلك يضارع هذا قوله تعالى: «إنّ مع العسر يسرا» و العسر ضدّ اليسر، و الضدان لا يجتمعان، و لكنّ الأصل: إنّ مع انقضاء العسر يسرا، إلّا أنّ المضاف حذف، و أمّا فائدة تكرير أنّ فالعرب تكرر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه و هو يستبعد أن يجيء منه الجهاد:
أنت تجاهد؟ أأنت تجاهد؟ فكذا هاهنا، قالوا: أيعدكم أنّكم مخرجون أنّكم مخرجون استبعادا.
فقيل له: أمّا سؤالك الأول عن خبر أنّ و كونه لم يأت فهو سؤال من قطع بما حكاه، و لم يعدّ وجها سواه، و هذا قول من لم يتقدّم له بهذا العلم فضل دراية، و لا وقف على ما سطره فيه أولو النقل و الرواية، إذ كان معظم النحويين قد أجمعوا على أنّ خبر أنّ في هذه المسألة ثابت غير محذوف، فلو قلت: يسأل عن خبر أنّ لم حذف في هذه الآية على قول بعض النحويين لأتيت بعذر مبين و للنحويين في هذه الآية أربعة أقوال:
الأول: منها: قول المبرد و من تابعه و هو أن يجعل موضع «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» رفعا بالابتداء «و إذا» ظرف زمان في موضع خبره، و الجملة في موضع خبر أنّ، فيصير التقدير:
أيعدكم أنّكم إذا متم إخراجكم، كما تقول: أيعدكم أنّكم يوم الجمعة إخراجكم، فيكون إخراجكم مرفوعا بالابتداء و يوم الجمعة في موضع خبر أنّ الأول، و هذا مذهب بيّن ظاهر لا يحتاج فيه إلى خبر محذوف.
الثاني: قول الجرمي، أن تجعل مخرجون خبر أنّ الأولى، و تكون الثانية كرّرت توكيدا لتراخي الكلام على حد قوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤]، فكرر «رأيتهم» توكيدا لتراخي الكلام، و يكون انتصاب ساجدين ب «رأيت» الأولى، كأنّه قال: رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر ساجدين، و مثل قوله سبحانه: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران:
١٨٨]، فيكون «تحسبنّهم» توكيدا لتراخي الكلام، و من ذلك قوله: في النداء [١]:
[البسيط]
يا تيم تيم عديّ [لا أبالكم
لا يوقعنكم في سوءة عمر]
[١] مرّ الشاهد رقم (٣٤٦) .