الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٠٠
المجيء وقت الإحسان، لأنّ (إذا) ظرف، و العامل فيه «أحسنت»، فيصير التقدير:
أحسنت إليه وقت مجيئه، و ليس الأمر كذلك، و سبب ذلك أنّه لمّا تقارب الزمانان و تجاور الحالان صارا كأنّهما وقعا في زمان واحد، و إن كان لا بدّ أن يقدّر أنّ زمان الإحسان بعد زمان المجيء، إذ الإحسان مسبّب عن المجيء، و السبب يتقدّم المسبّب، و يكون تقدير الآية على هذا: أيعدكم أنّكم مخرجون آخر وقت موتكم و كونكم ترابا و عظاما، ثم قلت بعد هذا: «و أمّا فائدة تكرير أنّ فإنّ العرب تكرّر الشيء في الاستفهام استبعادا، كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان يستبعد منه أن يجاهد: أنت تجاهد، أنت تجاهد»، و هذا قول غير محقّق و لا محرّر، و هذه العبارة بتكرير الاستبعاد شيء خارج عن المألوف المعتاد، و إنما التكرير في كلام العرب لمعنى التأكيد، على ذلك جاء في كتاب اللّه عزّ و جلّ و في الكلام الفصيح، كقوله تعالى: إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١]، فكرر دكّا على جهة التأكيد بدلالة قوله تعالى في الأخرى: فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً [الحاقة: ١٤]، و قوله تعالى:
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥- ٦]، و قوله تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ [يوسف: ٤]، كرر «رأيتهم» توكيدا، و قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: ١٨٨]، و ليس في شيء من ذلك استبعادا.
المسألة الثانية: قال أبو نزار: روي عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «من جمع مالا من نهاوش أذهبه اللّه في نهابر» [١]، يسأل عن مادة هاتين الكلمتين و زيادتهما و مكان استعمالهما.
فأوّل ذلك أن تعلم أن نهوشا واحد قدّر أنّه جمع على نهاوش، و هو من الهوش بمعنى الاختلاط، قال: و كذلك نهابر هو جمع واحد نهبره و هو من الهبر بمعنى القطع المتدارك، و المعنى من جمع مالا من جهات مختلطة لا يعلم جهات حلّها و حرمتها قطعه اللّه عليه، قال: فإن قيل: ما سمعنا في الواحد نهبرا و نهوشا قلنا: قد نصّ سيبويه على أنّ العرب تأتي بمجموع لم تنطق بواحدها، ثم قال: إنّ قياس واحد ملامح و محاسن ملمحة و محسنة، و ما سمعنا بملمحة، و كذلك قدّروا أنّ واحد أباطيل إبطيل أو أبطول، و أباطيل جمع لم ينطق بواحده.
[١] الحديث في مسند الشهاب (١/ ٢٧١، ٢٧٢)، و أمثال الحديث (١/ ١٦٢)، و ميزان الاعتدال (٥/ ٣٠٧)، و كشف الخفاء (٢/ ٢٩٥)، و فيض القدير (٦/ ٦٥).