الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٥٣
و قال: أبلغت يا كسائي إلى هذا؟ ثم قال لأبي يوسف: أجبه، فقال الكسائي: ما تقول لرجل قال لامرأته: «أنت طالق إن دخلت الدار»؟ فقال أبو يوسف: إذا دخلت الدار طلقت، فقال الكسائي: خطأ، إذا فتحت أن فقد وجب الأمر، و إذا كسرت فإنه لم يقع بعد فنظر أبو يوسف بعد ذلك في النحو.
و حدّث أيضا عمّن سمع الكسائي يقول: اجتمعت أنا و أبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد، فجعل أبو يوسف يذمّ النحو و يقول: ما النحو؟ فقلت و أردت أن أعلّمه فضل النحو: ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتل غلامك؟ و قال له آخر: أنا قاتل غلامك، أيّهما كنت تأخذ به؟ قال: آخذهما جميعا، فقال له هارون: أخطأت، و كان له علم بالعربية، فاستحيى و قال: كيف ذلك؟ فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتل غلامك، بلا إضافة فإنّه لا يؤخذ لأنّه مستقبل لم يكن بعد، كما قال اللّه تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الكهف: ٢٤]، فلولا أنّ التنوين مستقبل ما جاز فيه غدا، فكان أبو يوسف بعد ذلك يمدح العربية و النحو.
قال أبو عبد اللّه بن مقلة [١]: حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: اجتمع الكسائي و الأصمعي عند الرشيد، و كانا معه يقيمان بمقامه و يظعنان بظعنه، فأنشد الكسائي: [البسيط]
[٥٦٧]- أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به
رئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
فقال الأصمعي: رئمان بالرفع، فقال له الكسائي: اسكت، ما أنت و هذا؟
يجوز رئمان و رئمان و رئمان، ول يكن الأصمعي صاحب عربيّة، فسألت أبا العباس كيف جاز ذلك؟ فقال: إذا رفع رفع ب ينفع، أي: أم كيف ينفع رئمان أنف، و إذا نصب نصب بتعطي، و إذا جرّ جرّ بردّه على الهاء في به، قال: و المعنى: و ما ينفعني إذا وعدتني بلسانك ثم لم تصدّقه بفعلك؟ يقال ذلك للّذي يبرّ و لا يكون منه نفع كهذه الناقة تشمّ بأنفها مع تمنّع درّتها، و العلوق: التي علق عليها ولدها، و ذلك أنّه
[١] انظر معجم الأدباء (١٣/ ١٧٣)، و أمالي ابن الشجري (١/ ٣٧).
[٥٦٧] - الشاهد لأفنون التغلبي في خزانة الأدب (١١/ ١٣٩)، و الدرر (٦/ ١١١)، و شرح اختيارات المفضّل (ص ١١٦٤)، و شرح شواهد المغني (١/ ١٤٤)، و لسان العرب (علق)، و بلا نسبة في الاشتقاق (ص ٢٥٩)، و جمهرة اللغة (ص ٣٢٢)، و خزانة الأدب (١١/ ٢٨٨)، و الخصائص (٢/ ١٨٤)، و شرح ديوان الحماسة للمرزوقي (ص ٤١٨)، و شرح المفصل (٤/ ١٨)، و لسان العرب (رأم)، و المحتسب (١/ ٢٣٥)، مغني اللبيب (١/ ٤٥)، و همع الهوامع (٢/ ١٣٣).