الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٤٨
صناعة النحو، و حكى ما قيل في المسألة مع أنّه لا يشفي الغليل، لأن العرب لم تقل ذلك و لا نعلم لو عرض عليهم هل كانوا يرتضونه أم لا؟ بخلاف ما أوردت من الشواهد، فإنّه نصّ قولهم، و لا ريب في صحته و كونه حجة، و الذي أورده من الأقوال الستة مستنبط من الظن و القياس، و قد يكون حقا و قد لا يكون، و قد ألحّ عليّ جماعة أن أورد على فوائده هذه ما يتوجه عليها من الاعتراضات، فكنت آبى ذلك خيفة سقطة تنفق حتى غلبوا على رأيي، و قالوا: هذا لا يعدّ قدحا في فضله، فشرعت في التنبيه على ما يرد على قوله:
أمّا ما ذكره من اشتباه فعيل و فعول في الوزن و الدّلالة على المبالغة و الوقوع بمعنى فاعل و بمعنى مفعول، و أنّ فعيلا أخفّ من فعول و أنّه فاقه بأشياء منها: اطّراد بنائه من فعل، و كثرة مجيئه في أسماء اللّه تعالى، و إذا فاقه لا يكون تبعا له، و هل الأمر إلا بالعكس أو مستويان؟ إلى آخره، فكلّ هذه دعاو تعسر إقامة الحجة عليها خصوصا مع المنازعة، و لئن سلمت فهي خارجة عن مسألتنا، لأنّ السؤال وقع عن جواز إطلاق القريب على الرحمة، فجوابه: ذلك جائز لدلالة كذا و كذا عليه، فبقية المقدمات ضائعة مبذولة، و لا مدخل لها فيما وقع السؤال عنه، و مثاله من سئل عن زيارة الكعبة المعظّمة هل تجب أم لا؟ فأجاب بأنّ المتوجّه إليها لا بدّ أن يكون محرما، و ميقاته من جهة المدينة ذو الحليفة و عدّد له المواقيت، فيقول له السائل:
أنا لم أسألك إلّا عن وجوب زيارتها، و ما ذكرته بمعزل عن ذلك، و يجري مجرى هذا قول المتكلّم في فعيل و فعول: أبواب المصادر ستة: فعل يفعل كحلب يحلب، و فعل يفعل كضرب يضرب، و فعل يفعل كذهب يذهب و فعل يفعل كقرم يقرم، و فعل يفعل ككرم يكرم، و فعل يفعل كوثق يثق، و كلّه يشتقّ منه فعيل، إلّا أنّ أكثره من فعل يفعل و يكون بمعنى فاعل كشريف و ظريف و كريم و عظيم، و قد يرد من غيره بمعنى المفعول، كصريع و جريح و كليم و هزيم، و تتكلم في فعول بما يناسب ذلك أو يقاربه عند الشروع في مسألتنا في لفظة القريب، و العاقل يعلم أنّ هذه المباحث لا مدخل لها فيما نحن فيه، و إن كانت من تفاريع لفظة القريب، و قوله في فعول: «إن لم يقصد به معنى فاعل لحقته تاء كحلوبة و ركوبة» منقوض بقولهم: ناقة عصوب للّتي تعصب ركبتاها عند الحلب، و سلوب و عجول للتي اخترم ولدها، فإنّ وزنه فعول و ليس للفاعل و لا تلحقه التاء، و كذا الجزور و الخلوج و البسوس [١]، و الحضون و الشّطور و الثّلوث [٢]، و كل هذه صفات للناقة و الشاة، و وزنها فعول لم تلحقها التاء
[١] الجزور: الناقة المجزورة. و الخلوج: الغزيرة اللبن. و البسوس: التي تدرّ عند الإبساس.
[٢] الحضون: التي قد ذهب أحد طبييها. و الشطور: التي يبس خلفان من أخلافها. و الثّلوث: الناقة التي يبس ثلاثة من أخلافها.