الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٣٠
فصيحة، و زعم أبو عمرو بن الحاجب رحمه اللّه في أماليه أنّ ذلك على المفعول المطلق، و أنّه من المصدر المؤكد لغيره، قال: «ذلك لأنّ معنى قولنا: الإجماع لغة العزم، مدلول الإجماع لغة: العزم، و الدّلالة تنقسم إلى دلالة شرع و إلى دلالة عرف، فلمّا كانت محتملة و ذكر أحد المحتملات كان مصدرا من باب المصدر المؤكد لغيره»، و فيما قاله نظر من وجهين:
الأول: ما ذكرنا من أنّ اللغة ليست مصدرا لأنّها ليست اسما لحدث.
و الثاني: أنّ ذلك لو كان مصدرا مؤكدا لغيره لكان إنّما يأتي بعد الجملة، فإنه لا يجوز أن يتوسّط و لا أن يتقدّم لأنّه لا يقال: زيد حقا ابني، و لا حقا زيد ابني، و إن كان الزّجّاج يجيز ذلك، و لكنّ الجمهور على خلافه.
و الوجه الرابع: أن يكون مفعولا لأجله، و التقدير: تفسير الإعراب لأجل الاصطلاح، أي: لأجل بيان الاصطلاح، و هذا الوجه أيضا لا يستقيم لأنّ المنتصب على المفعول له لا يكون إلّا مصدرا كقمت إجلالا له، و لا يجوز: جئتك الماء و العشب بتقدير مضاف أي: ابتغاء الماء و العشب.
الوجه الخامس: و هو الظاهر، أن يكون حالا على تقدير مضاف إليه من المجرور و مضافين من المنصوب، و الأصل: تفسير الإعراب موضوع أهل اللغة أو موضوع أهل الاصطلاح ثم حذف المتضايفان على حد حذفهما في قوله تعالى: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [طه: ٩٦]، أي: من أثر حافر فرس الرسول، و لمّا أنيب الثالث عمّا هو الحال بالحقيقة التزم تنكيره لنيابته عن لازم التنكير، كما في قولهم: «قضية و لا أبا حسن لها» [١] و الأصل و لا مثل أبي الحسن لها، فلمّا أنيب أبو حسن عن مثل جرّد عن أداة التعريف، و لك أن تقول: الأصل: موضوع اللغة أو موضوع الاصطلاح على نسبة الوضع إلى اللغة أو الاصطلاح مجازا، و حينئذ فلا يكون فيه إلا حذف مضاف واحد، و يصير نظير قول بعض العرب:
«كنت أظنّ العقرب أشدّ لسعة من الزّنبور فإذا هو إيّاها» على تأويل ابن الحاجب فإنّه أعرب إيّاها حالا، على أنّ الأصل: فإذا هو موجود مثلها، فحذف الخبر كما حذف من «خرجت فإذا الأسد»، ثم حذف المضاف و هو مثل و قام المضاف إليه مقامه، فتحول الضمير المجرور ضميرا منصوبا، بل تخريج ما نحن فيه على ذلك أسهل، لأنّ لفظ الضمير معرفة، فانتصابه على الحال بعيد.
و الظاهر في المثال المذكور أنّه مفعول الفعل محذوف هو الخبر، و التقدير:
[١] انظر الكتاب (٢/ ٣٠٩).