الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢١١
لنوع من الحكمة، و ذلك كثير في القرآن العزيز: وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي [يوسف:
١٠٠] بمعنى: لطف بي، و كذا قوله: وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [القصص: ٥٨]، فإنّ ابن السّرّاج حمله على المعنى، لأنّ من بطر فقد كره، و المعنى:
كرهت معيشتها، و هذا أكثر من أن يحصى، و عليه قول المتنبي (١): [البسيط]
[٥٢٦]- لو استطعت ركبت النّاس كلّهم
إلى سعيد بن عبد اللّه بعرانا
قالوا: معناه لو استطعت جعلت الناس بعرانا فركبتهم إليه، لأنّ في «ركبت» ما يؤدي معنى «جعلت» و ليس في «جعلت» معنى «ركبت».
فقيل في جوابه: غيّرت لفظ التلاوة و نقلت معنى الكلمة عمّا وضعت له، أمّا لفظ التلاوة فهو: «و قد أحسن بي»، و أما نقل الكلمة فهو تأولك «أحسن بي» على «لطف بي»، و إنّما حملك على ذلك أنّك وجدت «أحسن» تعدّى بإلى في مثل قول القائل: قد أحسنت إليه، و لا تقول: قد أحسنت به، و جهلت أنّ الفعل قد يتعدّى بعدّة من حروف الجر على مقدار المعنى المراد من وقوع الفعل، لأنّ هذه المعاني كامنة في الفعل، و إنما يثيرها و يظهرها حروف الجر، و ذلك أنّك إذا قلت: خرجت، فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت: خرجت من الدار فإن أردت أن تبين أنّ خروجك مقارن لاستعلائك قلت: خرجت على الدابة، فإن أردت المجاوزة للمكان قلت: خرجت عن الدار، و إن أردت الصحبة قلت: خرجت بسلاحي، و على ذلك قال المتنبي: [الطويل]
[٥٢٧]- أسير إلى إقطاعه في ثيابه
على طرفه من داره بحسامه
فقد وضح بهذا أنّه ليس يلزم في كل فعل أن لا يتعدّى إلا بحرف واحد، ألا ترى أنّ «مررت» المشهور فيه أنه يتعدى بالباء، نحو: مررت به، و قد يتعدى بإلى و على، فتقول: مررت إليه و مررت عليه، و كذلك قوله سبحانه: «وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي»، و ذلك أنّ الباء قد جاءت متصلة بحسن و أحسن، فتقول: حسن به ظنّي، ثم تنقله بالهمزة: أحسنت به الظن، و ذلك في الإساءة، فيكون التقدير في الآية: و قد أحسن الصنع بي، ثم حذف المفعول لدلالة المعنى عليه، و حذف المفعول في العربية كثير، من ذلك قوله تعالى: وَ أْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان: ١٧]، يريد: و أمر الناس بالمعروف و انههم عن المنكر، و كذا قوله تعالى: رَبِّيَ الَّذِي
[٥٢٦] - انظر ديوانه (ص ١٦٨).
[٥٢٧] - الشاهد للمتنبي في ديوانه (٤/ ١١٥)، و تاج العروس (سبع).