الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٢٢٥
القاعدة الأولى: أنّ القضية السالبة لا تستلزم وجود الموضوع، بل كما تصدق مع وجوده تصدق مع عدمه، فإذا قيل: ما جاءني قاضي مكة و لا ابن الخليفة، صدقت القضية، و إن لم يكن بمكة قاض و لا للخليفة ابن، و هذه القاعدة هي التي يتخرج عليها «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» و بيت امرئ القيس، فإنّ شفاعة الشافعين بالنسبة إلى الكافرين غير موجودة يوم القيامة، لأنّ اللّه تعالى لا يأذن لأحد في أن يشفع لهم، لأنّه لا يأذن فيما لا ينتفع لتعاليه عن العبث، و لا يشفع أحد عند اللّه إذا لم يأذن اللّه له: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، و كذلك المنار غير موجود في الّلاحب المذكور، لأنّ المراد التمدّح بأنّه يقطع الأرض المجهولة من غيرها و يهتدي به، فغرضه إنّما تعلّق بنفي وجود ما يهتدي به في تلك الطريق التي سلكها لا بنفي وجود الهداية عن شيء نصب فيها للاهتداء به، و أمّا قول أبي حيان و غيره: المراد لا شافع لهم فتنفعهم شفاعته و لا منار فيهتدى به فليس بشيء، لأنّ النفي إنما يتسلّط على المسند لا على المسند إليه، و لكنّهم لمّا رأوا الشفاعة و المنار غير موجودين توهّموا أنّ ذلك من اللفظ فزعموا ما زعموا، و فرق بين قولنا: الكلام صادق مع عدم المسند إليه و قولنا: إنّ الكلام اقتضى عدمه.
القاعدة الثانية: أنّ القضية السالبة المشتملة على مقيّد نحو: ما جاءني رجل شاعر، تحتمل وجهين:
الأول: أن يكون نفي المسند باعتبار القيد، فيقتضي المفهوم في المثال المذكور وجود مجيء رجل ما غير شاعر، و هذا هو الاحتمال الراجح المتبادر، ألا ترى أنه لو كان المراد نفيه عن الرجل مطلقا لكان ذكر الوصف ضائعا، و لكان زيادة في اللفظ و نقضا في المعنى المراد؟.
الثاني: أن يكون نفيه باعتبار المقيّد و هو الرجل، و هذا احتمال مرجوح لا يصار إليه إلّا بدليل، فلا مفهوم حينئذ للقيد، لأنّه لم يذكر للتقيد، بل ذكر لغرض آخر، كأن يكون المراد مناقضة من أثبت ذلك الوصف، فقال: جاءك رجل شاعر، فأردت التنصيص على نفي ما أثبته، و كأن يراد التعريض كما أردت في المثال المذكور أن تعرّض بمن جاءه رجل شاعر، و هذه هي القاعدة التي يتخرج عليها لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة: ٢٧٣]، فإنّ الإلحاف قيد في السؤال المنفيّ، و المراد من الآية- و اللّه أعلم- نفي السؤال البتة بدليل: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة: ٢٧٣]، و التعفّف لا يجامع المسألة، و لكن أريد بذكر الإلحاف- و اللّه أعلم- التعريض بقوم ملحفين توبيخا لهم على صنيعهم، و التعريض