الأشباه و النظائر في النحو - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٢٢
و ليس يشك أحد أنّ الغرض في كلتا القراءتين واحد و أنّ الإخبار في الحقيقة إنما هو عن الجواب، و كذلك قوله تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ [الحشر:
١٧]، قرئ برفع العاقبة و نصبها، و لا فرق بين الأمرين عند أحد من البصريين و الكوفيين، و كذلك قول الفرزدق: [الطويل]
[٤٣٠]- لقد شهدت قيس فما كان نصرها
قتيبة إلّا عضّها بالأباهم
ينشد برفع النصر و نصب العضّ، و برفع العضّ و نصب النصر، و الفائدة في الأمرين جميعا واحدة، و كذلك قول الآخر: [الطويل]
[٤٣١]- و قد علم الأقوام ما كان داؤها
بثهلان إلّا الخزي ممّن يقودها
ينشد برفع الداء و نصب الخزي و بنصب الداء و رفع الخزي، و الفائدة فيهما جميعا واحدة، و إنّما تساوى ذلك لأنّ المبتدأ هو الخبر في المعنى، و ممّا يبيّن ذلك بيانا واضحا أنّ القائل إذا قال: «شرّ النّاس الفاسق» أو قال: «الفاسق شرّ النّاس» فقد أفادنا في كلا الحالين فائدة واحدة، و كذلك إذا قال: «أبوك خير النّاس»، فائدته كفائدة قوله: «خير النّاس أبوك»، لا يمكن أحدا أن يجعل بينهما فرقا، و يشهد لذلك قول زهير: [الوافر]
[٤٣٢]- و إمّا أن يقولوا قد أبينا
فشرّ مواطن الحسب الإباء
فهذا البيت أشبه الأشياء ببيت كثير، و قد جعل زهير «شرّ» هو المبتدأ و الإباء هو الخبر، و إنّما غرضه أن يخبر أنّ الإباء هو شرّ مواطن الحسب، و لا يجوز لزاعم أن يزعم أنّ الإباء هو المبتدأ و شرّ خبره، لأنّ الفاء لا يجوز دخولها على خبر المبتدأ، إلّا أن يتضمّن المبتدأ معنى الشرط، ألا ترى أنّه لا يجوز: «زيد فقائم»، و كذلك من رواه «و شرّ مواطن»، بالواو لأنّ الواو لا تدخل على الأخبار، لا يجوز: «زيد و قائم»، و ممّا يبيّن لك تساوي الأمر عند النحويين باب الإخبار بالذي و بالألف و اللام، فمن تأمّل قول النحويين فيه رأى ما قلناه نصا، لأن القائل إذا سأل فقال: أخبرني عن زيد من قولنا: قام زيد فجوابه عند النحويين أجمعين أن يقال: الذي قام زيد، و القائم زيد، ألا ترى أنّ المجيب قد جعل زيدا خبرا؟ و إنّما سأل السائل أن يخبر عنه و لم
[٤٣٠] - الشاهد للفرزدق في ديوانه (ص ٣٣١)، و لسان العرب (بهم)، و بلا نسبة في المقتضب (٤/ ٩٠).
[٤٣١] - الشاهد لمغلس الأسدي في شرح أبيات سيبويه (١/ ٢٧٨)، و بلا نسبة في الكتاب (١/ ٩١)، و شرح المفصّل (٧/ ٩٦)، و المحتسب (٢/ ١١٦).
[٤٣٢] - الشاهد لزهير في ديوانه (ص ٧٤)، و بلا نسبة في المخصّص (١٦/ ٢٦).